عيسى ابن مريم عليه السلام كلمة الله ألقاها إلى مريم العذراء وروح منه، خلقه الله من غير أب كما خلق آدم من غير أبوين. تكلم في المهد صبيًا فبرأ أمه، وأيده الله بمعجزات بإذنه: يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى وينبئ الناس بما يأكلون ويدخرون. أنزل الله عليه الإنجيل، وبشر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، فلما أراد اليهود قتله رفعه الله إليه ولم يقتلوه وما صلبوه، وهو أحد أولي العزم، وسينزل في آخر الزمان حكمًا عدلًا يكسر الصليب ويقتل الدجال.
المصدر: البداية والنهاية، ابن كثير، ج ٢، ص ٤١٦
نسبه وزمانه وقومه
عيسى عليه السلام هو ابن مريم بنت عمران، من آل عمران الذين ذكر الله اصطفاءهم، بعثه الله رسولا إلى بني إسرائيل. قال السعدي: فلما قرر عظمة هذه البيوت، ذكر قصة مريم وابنها عيسى ﷺ، وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال، من ابتداء أمرهما إلى آخره.
وقد تقدم أن مريم لما جعلتها أمها محررة تخدم بيت المقدس وأنه كفلها زوج أختها أو خالتها نبي ذلك الزمان زكريا عليه السلام، وأنه اتخذ لها محرابا وهو المكان الشريف من المسجد لا يدخله أحد عليها سواه، وأنها لما بلغت اجتهدت في العبادة فلم يكن في ذلك الزمان نظيرها في فنون العبادات، وظهر عليها من الأحوال ما غبطها به زكريا عليه السلام.
ينوه تعالى بفضيلة مريم وعلو قدرها، وأن الملائكة خاطبتها بذلك … الاصطفاء الأول يرجع إلى الصفات الحميدة والأفعال السديدة، والاصطفاء الثاني يرجع إلى تفضيلها على سائر نساء العالمين، إما على عالمي زمانها، أو مطلقا، وإن شاركها أفراد من النساء في ذلك كخديجة وعائشة وفاطمة، لم يناف الاصطفاء المذكور.
وهذا من أعظم فضائلها، أن تذكر في الكتاب العظيم، الذي يتلوه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، تذكر فيه بأحسن الذكر، وأفضل الثناء، جزاء لعملها الفاضل، وسعيها الكامل.
يخبر تعالى أن الملائكة بشرت مريم عليها السلام بأعظم بشارة، وهو كلمة الله عبده ورسوله عيسى ابن مريم، سمي كلمة الله لأنه كان بالكلمة من الله، لأن حالته خارجة عن الأسباب، وجعله الله من آياته وعجائب مخلوقاته.
فهذه الكلمة من الله، كلمة شريفة، اختص الله بها عيسى ابن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات.
أي: له الوجاهة العظيمة في الدنيا، جعله الله أحد أولي العزم من المرسلين أصحاب الشرائع الكبار والأتباع، ونشر الله له من الذكر ما ملأ ما بين المشرق والمغرب … فلهذا كان من المقربين إلى الله، أقرب الخلق إلى ربهم، بل هو عليه السلام من سادات المقربين.
والولد في العادة لا يكون إلا من مس البشر، وهذا استغراب منها، لا شك في قدرة الله تعالى … فأخبرها أن هذا أمر خارق للعادة، خلقه من يقول لكل أمر أراده: كن فيكون، فمن تيقن ذلك زال عنه الاستغراب والتعجب، ومن حكمة الباري تعالى أن تدرج بأخبار العباد من الغريب إلى ما هو أغرب منه، فذكر وجود يحيى بن زكريا بين أبوين أحدهما كبير والآخر عاقر، ثم ذكر أغرب من ذلك وأعجب، وهو وجود عيسى عليه السلام من أم بلا أب ليدل عباده أنه الفعال لما يريد وأنه ما شاء كان وما لم يشاء لم يكن.
وهذا التباعد منها، واتخاذ الحجاب، لتعتزل، وتنفرد بعبادة ربها، وتقنت له في حالة الإخلاص والخضوع والذل لله تعالى … وهو جبريل عليه السلام … أي كاملا من الرجال في صورة جميلة وهيئة حسنة لا عيب فيه ولا نقص لكونها لا تحتمل رؤيته على ما هو عليه فلما رأته في هذه الحال وهي معتزلة عن أهلها منفردة عن الناس قد اتخذت الحجاب عن أعز الناس عليها وهم أهلها خافت أن يكون رجلا قد تعرض لها بسوء وطمع فيها فاعتصمت بربها واستعاذت منه.
وهذه العفة - خصوصا مع اجتماع الدواعي وعدم المانع - من أفضل الأعمال … فأعاضها الله بعفتها ولدا من آيات الله ورسولا من رسله.
أي ولنجعل خلقه والحالة هذه دليلا على كمال قدرتنا على أنواع الخلق، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى.
فنفخ جبريل عليه السلام في جيبها … أي: لما حملت بعيسى عليه السلام، خافت من الفضيحة، فتباعدت عن الناس … فلما قرب ولادها، ألجأها المخاض إلى جذع نخلة، فلما آلمها وجع الولادة، ووجع الانفراد عن الطعام والشراب، ووجع قلبها من قالة الناس، وخافت عدم صبرها، تمنت أنها ماتت قبل هذا الحادث، وكانت نسيا منسيا فلا تذكر.
فحينئذ سكن الملك روعها وثبت جأشها وناداها من تحتها، لعله في مكان أنزل من مكانها، وقال لها: لا تحزني، أي: لا تجزعي ولا تهتمي … أي: نهرا تشربين منه.
وكان معروفا عندهم أن السكوت من العبادات المشروعة، وإنما لم تؤمر بخطابهم في نفي ذلك عن نفسها لأن الناس لا يصدقونها، ولا فيه فائدة، وليكون تبرئتها بكلام عيسى في المهد، أعظم شاهد على براءتها.
أي: فلما تعلت مريم من نفاسها، أتت بعيسى قومها تحمله، وذلك لعلمها ببراءة نفسها وطهارتها، فأتت غير مبالية ولا مكترثة … الظاهر، أنه أخ لها حقيقي، فنسبوها إليه، وكانوا يسمون بأسماء الأنبياء وليس هو هارون بن عمران أخا موسى، لأن بينهما قرونا كثيرة.
فخاطبهم بوصفه بالعبودية، وأنه ليس فيه صفة يستحق بها أن يكون إلها، أو ابنا للإله، تعالى الله عن قول النصارى … فأخبرهم بأنه عبد الله، وأن الله علمه الكتاب، وجعله من جملة أنبيائه، فهذا من كماله لنفسه، ثم ذكر تكميله لغيره.
ومما قاله في المهد أن الله جعله مباركا؛ قال السعدي على لسانه: فالبركة جعلها الله فيَّ من تعليم الخير والدعوة إليه، والنهي عن الشر، والدعوة إلى الله في أقواله وأفعاله، فكل من جالسه، أو اجتمع به، نالته بركته، وسعد به مصاحبه … فهذه معجزة عظيمة، وبرهان باهر، على أنه رسول الله، وعبد الله حقا.
وتنزه الله عن الولد؛ قال السعدي: أي: ما ينبغي ولا يليق، لأن ذلك من الأمور المستحيلة، لأنه الغني الحميد، المالك لجميع الممالك، فكيف يتخذ من عباده ومماليكه، ولدا؟! … فكيف يستبعد إيجاده عيسى من غير أب؟! ولهذا أخبر عيسى أنه عبد مربوب كغيره.
ومع هذا فآدم عليه السلام خلقه الله من تراب لا من أب ولا أم، فإذا كان ذلك لا يوجب لآدم ما زعمه النصارى في المسيح، فالمسيح المخلوق من أم بلا أب من باب أولى وأحرى، فإن صح إدعاء البنوة والإلهية في المسيح، فادعاؤها في آدم من باب أولى وأحرى.
ثم ذكر له كمالا آخر وفضلا زائدا على ما أعطاه الله من الفضائل … فأرسله الله إلى هذا الشعب الفاضل الذين هم أفضل العالمين في زمانهم يدعوهم إلى الله، وأقام له من الآيات ما دلهم أنه رسول الله حقا ونبيه صدقا.
فالكتاب يشمل الكتب السابقة وخصوصا التوراة فإنه من أعلم أنبياء بني إسرائيل -بعد موسى- بها ويشمل الإنجيل الذي أنزله الله عليه.
ثم أخبر عيسى عليه السلام أن شريعة الإنجيل شريعة فيها سهولة ويسرة … فدل ذلك على أن أكثر أحكام التوراة لم ينسخها الإنجيل بل كان متمما لها ومقررا.
استدل بتوحيد الربوبية الذي يقر به كل أحد على توحيد الإلهية الذي ينكره المشركون … وفي هذا رد على النصارى القائلين بأن عيسى إله أو ابن الله، وهذا إقراره عليه السلام بأنه عبد مدبر مخلوق.
والرسول الذي بشر به هو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب النبي الهاشمي ﷺ. فعيسى عليه الصلاة والسلام، كالأنبياء يصدق بالنبي السابق، ويبشر بالنبي اللاحق، بخلاف الكذابين، فإنهم يناقضون الأنبياء أشد مناقضة، ويخالفونهم في الأوصاف والأخلاق، والأمر والنهي.
وأي: آية أعظم من جعل الجماد حيوانا، وإبراء ذوي العاهات التي لا قدرة للأطباء في معالجتها، وإحياء الموتى، والإخبار بالأمور الغيبية، فكل واحدة من هذه الأمور آية عظيمة بمفردها، فكيف بها إذا اجتمعت وصدق بعضها بعضها؟ فإنها موجبة للإيقان وداعية للإيمان.
أن من آيات عيسى عليه الصلاة والسلام أنه يبرئ الأكمه والأبرص لكن لا استقلالا بل بإذن الله، وإلا فلا أحد يشفي من المرض -أي مرض كان- إلا بإذن الله عز وجل … وفي هذه الآية الكريمة إثبات الحكمة لله عز وجل، ووجهه أن الله جعل لعيسى من الآيات ما يكون مناسبا لزمنه وعصره، حيث أوتي من الآيات ما يعجز عنه من كانوا محل تعظيم للناس في ذلك الوقت وهم الأطباء.
فهذه آيات بينات ومعجزات باهرات يعجز عنها الأطباء وغيرهم أيد الله بها عيسى وقوى بها دعوته … وهموا بعيسى أن يقتلوه وسعوا في ذلك فكف الله أيديهم عنه وحفظه منهم وعصمه. فهذه منن امتن الله بها على عبده ورسوله عيسى ابن مريم ودعاه إلى شكرها والقيام بها فقام بها عليه السلام أتم القيام وصبر كما صبر إخوانه من أولي العزم.
فلما رأى منهم عدم الانقياد له، وقالوا: هذا سحر مبين، وهموا بقتله وسعوا في ذلك، طلب من يعاونه ويقوم معه بنصرة دين الله، فانتدب معه الحواريون — وهم الأنصار — وقاموا بذلك.
وهذا من منة الله عليهم، وعلى عيسى، حيث ألهم هؤلاء الحواريين، الإيمان به، والانقياد لطاعته، والنصر لرسوله.
أي: مائدة فيها طعام، وهذا ليس منهم عن شك في قدرة الله، واستطاعته على ذلك. وإنما ذلك من باب العرض والأدب منهم. ولما كان سؤال آيات الاقتراح منافيا للانقياد للحق، وكان هذا الكلام الصادر من الحواريين ربما أوهم ذلك، وعظهم عيسى عليه السلام.
فأخبر الحواريون أنهم ليس مقصودهم هذا المعنى، وإنما لهم مقاصد صالحة، ولأجل الحاجة إلى ذلك … فلما سمع عيسى عليه الصلاة والسلام ذلك، وعلم مقصودهم، أجابهم إلى طلبهم في ذلك … فسأل عيسى عليه السلام نزولها وأن تكون لهاتين المصلحتين، مصلحة الدين بأن تكون آية باقية، ومصلحة الدنيا، وهي أن تكون رزقا.
واعلم أن الله تعالى وعد أنه سينزلها، وتوعدهم -إن كفروا- بهذا الوعيد، ولم يذكر أنه أنزلها، فيحتمل أنه لم ينزلها بسبب أنهم لم يختاروا ذلك … ويحتمل أنها نزلت كما وعد الله، والله لا يخلف الميعاد … والله أعلم بحقيقة الحال.
وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عن العقيدة الواجبة في المسيح، فأجابت: العقيدة الصحيحة في عيسى عليه الصلاة والسلام هي عقيدة السلف خير القرون التي شهد لها النبي ﷺ بالخير من أن عيسى عليه السلام لم يقتل ولم يصلب ولم يمت، وإنما رفعه الله إليه حيا ببدنه وروحه، وأنه سينزل آخر الزمان فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويدعو الناس جميعا إلى الإيمان بشريعة محمد ﷺ فيؤمنون به جميعا حتى اليهود والنصارى؛ لدلالة القرآن والسنة الصحيحة الثابتة على ذلك.
وفي معنى «متوفيك» قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: إن تفسير التوفي بالإماتة مخالف «لما صح عن السلف من تفسيره بقبض الله رسوله عيسى عليه السلام من الأرض ورفعه إليه حيا وتخليصه بذلك من الذين كفروا جمعا بين نصوص الكتاب والسنة الصحيحة الدالة على رفعه حيا وعلى نزوله آخر الزمان»، وذكرت أنه «فسر بأن الله قد قبضه من الأرض بدنا وروحا ورفعه إليه حيا، وفسر بأنه أنامه ثم رفعه»، وقالت: «وإذا اختلفت الأقوال في معنى الآية وجب المصير إلى القول الذي يوافق ظواهر الأدلة الأخرى، جمعا بين الأدلة».
وقال بعض أهل العلم: الوفاة هنا وفاة النوم؛ قال ابن كثير: «فأخبر تعالى أنه رفعه إلى السماء بعد ما توفاه بالنوم على الصحيح المقطوع به، وخلصه ممن كان أراد أذيته من اليهود الذين وشوا به إلى بعض الملوك الكفرة في ذلك الزمان».
ومن فوائد الآية عند ابن عثيمين: أن الله سبحانه وتعالى رفع عيسى بجسمه … والخطاب لعيسى المكون من بدن وروح فيكون رفعه ببدنه … وقال في «متوفيك»: أي: منيمك على أحد الأقوال وهو أقربها.
وكان الله عزيزا قويا قاهرا، ومن عزته أن كف بني إسرائيل بعد عزمهم الجازم وعدم المانع لهم عن قتل عيسى عليه السلام … حكيم يضع الأشياء مواضعها، وله أعظم حكمة في إلقاء الشبه على بني إسرائيل، فوقعوا في الشبه.
وفي هذه الآية دليل على علو الله تعالى واستوائه على عرشه حقيقة، كما دلت على ذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تلقاها أهل السنة بالقبول والإيمان والتسليم.
وقد أجمع المسلمون على نزوله، فينزل عند المنارة البيضاء في شرقي دمشق واضعا كفيه على أجنحة ملكين، فلا يحل لكافر يجد من ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلب الدجال حتى يدركه بباب لد فيقتله، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين ويحج ويعتمر، كل هذا ثابت في صحيح مسلم وبعضه في الصحيحين كليهما.
وقال ابن عثيمين في الجمع بين كون محمد ﷺ خاتم النبيين ونزول عيسى: فالجواب: أن عيسى عليه السلام لا ينزل على أنه رسول؛ لأن رسالته التي بعث بها كانت سابقة قبل رسالة النبي ﷺ، ولأنه إذا نزل فلا يأتي بشرع من عنده، ولكنه يجدد شرع النبي ﷺ، وبهذا يزول الإشكال بين كون محمد ﷺ خاتم النبيين وبين نزول عيسى بن مريم آخر الزمان.
وسينزل عيسى ابن مريم، في آخر هذه الأمة حكما عدلا، يقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويتبع ما جاء به محمد ﷺ، ويعلم الكاذبون غرورهم وخداعهم، وأنهم مغرورون مخدوعون.
وكتب الشيخ ابن باز إلى من ألف في إنكار نزوله: واستغربت ذلك كثيرا؛ لمخالفته للأحاديث الصحيحة المتواترة في نزوله آخر الزمان، ولا يوجد في الكتاب الكريم ما يخالف ذلك. فالواجب عليك الرجوع عن هذا القول، والتوبة إلى الله من ذلك، ومتابعة أهل السنة في إثبات نزوله عليه السلام آخر الزمان، ومن خالفهم فقد شذ وخالف الحق.
وهذا توبيخ للنصارى القائلين بالتثليث، فيقول الله هذا الكلام لعيسى. فيتبرأ عيسى … أي: ما ينبغي لي، ولا يليق أن أقول شيئا ليس من أوصافي ولا من حقوقي، فإنه ليس أحد من المخلوقين، لا الملائكة المقربون ولا الأنبياء المرسلون ولا غيرهم له حق ولا استحقاق لمقام الإلهية وإنما الجميع عباد، مدبرون، وخلق مسخرون، وفقراء عاجزون.
وهذا من كمال أدب المسيح عليه الصلاة والسلام في خطابه لربه، فلم يقل عليه السلام: "لم أقل شيئا من ذلك" وإنما أخبر بكلام ينفي عن نفسه أن يقول كل مقالة تنافي منصبه الشريف، وأن هذا من الأمور المحالة، ونزه ربه عن ذلك أتم تنزيه، ورد العلم إلى عالم الغيب والشهادة.
ومعنى جوابه كما قال السعدي: فأنا عبد متبع لأمرك، لا متجرئ على عظمتك … أي: ما أمرتهم إلا بعبادة الله وحده وإخلاص الدين له … وبيان أني عبد مربوب، فكما أنه ربكم فهو ربي.
لما بين تعالى حال عيسى بن مريم الذي لا يشك فيها ولا يمترى، أخبر أن الأحزاب، أي: فرق الضلال، من اليهود والنصارى وغيرهم، على اختلاف طبقاتهم اختلفوا في عيسى عليه السلام، فمن غال فيه وجاف، فمنهم من قال: إنه الله، ومنهم من قال: إنه ابن الله. ومنهم من قال: إنه ثالث ثلاثة. ومنهم من لم يجعله رسولا بل رماه بأنه ولد بغي كاليهود. وكل هؤلاء أقوالهم باطلة، وآراؤهم فاسدة … لأن من الأحزاب المختلفين، طائفة أصابت الصواب، ووافقت الحق، فقالت في عيسى: "إنه عبد الله ورسوله" فآمنوا به، واتبعوه.
قال ابن عثيمين في شرح هذا الحديث: قوله: «وروح منه»، أي: صار جسده عليه السلام بالكلمة، فنفخت فيه هذه الروح التي هي من الله؛ أي: خلق من مخلوقاته أضيفت إليه تعالى للتشريف والتكريم. وعيسى عليه السلام ليس روحا، بل جسد ذو روح … فقوله: "منه"؛ أي: صادرة من الله عز وجل، وليست جزءا من الله كما تزعم النصارى … فإضافة هذه الروح إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى خالقه تشريفا؛ فهي روح من الأرواح التي خلقها الله، وليست جزءا أو روحا من الله.
أما رحمة الله به فلما خصه الله بوحيه ومن عليه بما من به على أولي العزم.
أي: له الوجاهة، والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق. ومع ذلك فهو- عند الله- من المقربين، الذين هم أقرب الخلائق إلى الله، وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات.
ومن فوائد الآية عند ابن عثيمين: فضيلة عيسى ومنقبته بخطاب الله إياه، فإن من خاطبه الله فذلك فخر له بلا شك … منقبة لعيسى أخرى … فأضاف رفعه إلى نفسه عز وجل، وهذا لا شك أنه منقبة أن الله ضمه إليه ورفعه إليه.
ومن فوائد الآية عند ابن عثيمين: أن الله عز وجل منع الأذى عن عيسى الذي يمكن أن يلحقه من الكفار … وذلك بالدفاع عنه … هذا تطهير عظيم له ولأمه رضي الله عنها.
دروس وعبر
أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يملكون شيئا من الربوبية، وذلك لتقييد فعل عيسى بإذن الله.
بعد الرسل عليهم الصلاة والسلام عن الشرك … لأن أصل بعثة الرسل من أجل تحقيق التوحيد.
أن الألوهية حق خاص لله … وإذا كان الرسل بل خلاصة الرسل ليس لهم حق في الألوهية فمن دونهم من باب أولى، فلا أحد يستحق أن يكون إلها، ولا أحد يستحق أن نعبده من دون الله.
تأدب الرسل عليهم الصلاة والسلام مع ربهم جل وعلا.
أن ما قامت الأدلة على أنه حق وجزم به العبد من مسائل العقائد وغيرها، فإنه يجب أن يجزم بأن كل ما عارضه فهو باطل، وكل شبهة تورد عليه فهي فاسدة، سواء قدر العبد على حلها أم لا.
أن العفة - خصوصا مع اجتماع الدواعي وعدم المانع - من أفضل الأعمال، وقد أعاض الله مريم بعفتها ولدا من آيات الله ورسولا من رسله.
أن الله يري عباده خرق العوائد في بعض الأسباب العادية لئلا يقفوا مع الأسباب ويقطعوا النظر عن مقدرها ومسببها.
أنه ينبغي أن نذكر الناس بأحوال الأنبياء السابقين لما في ذلك من محبتهم والثناء عليهم ومعرفة أحوالهم وإبقاء ذكراهم.
أن الأنبياء يصدق السابق منهم ويبشر باللاحق، وعلامة الصادق أن يكون خبره من جنس خبر الصادقين، يخبر بالصدق، ويأمر بالعدل من غير تخالف ولا تناقض.
أن كل من رمى عيسى بهذا السوء فهو كافر.
المصادر
المصادر
القرآن الكريم.
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لعبد الرحمن السعدي (الشاملة ٤٢).
قصص الأنبياء من البداية والنهاية، لابن كثير، ت. عبد الواحد (الشاملة ٩٣٢).
تفسير سورة آل عمران، لمحمد بن صالح العثيمين (الشاملة ٥٤٥).
تفسير سورة المائدة، لمحمد بن صالح العثيمين (الشاملة ٥٤٨).
مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (الشاملة ١٢٢٩٣).
مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لعبد العزيز بن باز (الشاملة ٢١٥٣٧).
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - المجموعة الأولى (الشاملة ٨٣٨١).
صحيح البخاري، ط. السلطانية (الشاملة ١٦٨١).
صحيح مسلم، ت. محمد فؤاد عبد الباقي (الشاملة ١٧٢٧).
نص القرآن الكريم بالرسم العثماني من مشروع تنزيل، كما هو دون تغيير: tanzil.net