يحيى عليه السلام

سيدًا وحصورًا

يحيى عليه السلام ابن زكريا، وهبه الله لأبيه على كبره آية منه، وسماه الله باسمه ولم يجعل له من قبل سميًا. آتاه الله الحكم صبيًا وحنانًا وزكاة وتقى، وكان برًا بوالديه ولم يكن جبارًا عصيًا، ووصفه بأنه سيد وحصور ونبي من الصالحين. جاءت البشارة به مصدقًا بكلمة من الله وهو عيسى، وسلم الله عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيًا.

المصدر: البداية والنهاية، ابن كثير، ج ٢، ص ٣٩٣

نسبه وزمانه وقومه

يحيى عليه السلام هو ابن نبي الله زكريا عليه السلام، من أنبياء بني إسرائيل، وهو وعيسى ابن مريم عليهما السلام ابنا خالة كما ثبت في حديث المعراج في الصحيح.

ولد استجابة لدعاء أبيه وهو شيخ كبير وأمه عاقر، كما سبق في قصة زكريا عليه السلام.

يَـٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَـٰمٍ ٱسْمُهُۥ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُۥ مِن قَبْلُ سَمِيًّا 7

سورة مريم

وسماه الله له "يحيى" وكان اسما موافقا لمسماه: يحيا حياة حسية، فتتم به المنة، ويحيا حياة معنوية، وهي حياة القلب والروح، بالوحي والعلم والدين. … أي: لم يسم هذا الاسم قبله أحد.

قال قتادة وغيره: إنما سمي يحيى لأن الله أحياه بالإيمان.

صفاته في البشارة به

فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ 39

سورة آل عمران

روى العوفي وغيره عن ابن عباس، وقال الحسن وقتادة وعكرمة ومجاهد وأبو الشعثاء والسدي والربيع بن أنس والضحاك وغيره في هذه الآية: … أي: بعيسى ابن مريم. وقال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى ابن مريم.

فهو مصدق ونبي، ولا يلزم من تصديقه بعيسى أن يكون تابعا له، فهاهو محمد عليه الصلاة والسلام مصدق بجميع الأنبياء وهم يتبعونه ولا يتبعهم.

وفي معنى السيد: قال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة وسعيد بن جبير وغيرهم: الحليم. قال قتادة: سيدا في العلم والعبادة. وقال ابن عباس والثوري والضحاك: السيد الحليم التقي. قال سعيد بن المسيب: هو الفقيه العالم. وقال عطية: السيد في خلقه ودينه. وقال عكرمة: هو الذي لا يغلبه الغضب. وقال ابن زيد: هو الشريف. وقال مجاهد وغيره: هو الكريم على الله.

أي: يحصل له من الصفات الجميلة ما يكون به سيدا يرجع إليه في الأمور.

معنى «الحصور»

روي عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء وعطية العوفي، أنهم قالوا: الذي لا يأتي النساء.

وقد قال القاضي عياض في كتابه الشفا: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان … ليس كما قاله بعضهم إنه كان هيوبا أو لا ذكر له، بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين، ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب، ولا تليق بالأنبياء عليهم السلام، وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب، أي: لا يأتيها كأنه حصر عنها.

والمقصود أنه مدح ليحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه كما قاله هو وغيره: أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات.

"والحصور"، قيل: هو الذي لا يولد له، ولا شهوة له في النساء، وقيل: هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين.

وقال ابن عثيمين: إن أصح وأعم ما قيل فيه أنه ممنوع عن مساوئ الأخلاق.

نشأته وأخلاقه

يَـٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيًّا 12

وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا 13

وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا 14

وَسَلَـٰمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا 15

سورة مريم

دل الكلام السابق على ولادة يحيى، وشبابه، وتربيته، فلما وصل إلى حالة يفهم فيها الخطاب أمره الله أن يأخذ الكتاب بقوة، أي: بجد واجتهاد، وذلك بالاجتهاد في حفظ ألفاظه، وفهم معانيه، والعمل بأوامره ونواهيه، هذا تمام أخذ الكتاب بقوة، فامتثل أمر ربه، وأقبل على الكتاب، فحفظه وفهمه، وجعل الله فيه من الذكاء والفطنة، ما لا يوجد في غيره … أي: معرفة أحكام الله والحكم بها، وهو في حال صغره وصباه.

وآتيناه أيضا … أي: رحمة ورأفة، تيسرت بها أموره، وصلحت بها أحواله، واستقامت بها أفعاله. … أي: طهارة من الآفات والذنوب، فطهر قلبه وتزكى عقله، وذلك يتضمن زوال الأوصاف المذمومة، والأخلاق الرديئة، وزيادة الأخلاق الحسنة، والأوصاف المحمودة.

لم يكن عاقا، ولا مسيئا إلى أبويه، بل كان محسنا إليهما بالقول والفعل. … أي: لم يكن متجبرا متكبرا عن عبادة الله، ولا مترفعا على عباد الله، ولا على والديه، بل كان متواضعا، متذللا مطيعا، أوابا لله على الدوام، فجمع بين القيام بحق الله، وحق خلقه.

هذه الأوقات الثلاثة أشد ما تكون على الإنسان، فإنه ينتقل في كل منها من عالم إلى عالم آخر، فيفقد الأول بعد ما كان ألفه وعرفه ويصير إلى الآخر ولا يدري ما بين يديه … ولما كانت هذه المواطن الثلاثة أشق ما تكون على ابن آدم سلم الله على يحيى في كل موطن منها.

وذلك يقتضي سلامته من الشيطان، والشر، والعقاب في هذه الأحوال الثلاثة وما بينها، وأنه سالم من النار والأهوال، ومن أهل دار السلام.

دعوته في بني إسرائيل

وأمره الله بخمس كلمات أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فجمعهم في بيت المقدس وبلغهم إياها، كما أخبر النبي ﷺ في الحديث الآتي.

أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأْمُرَ بني إسرائيل أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِئَ بِهَا، فَقَالَ عِيسَى: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ لِتَعْمَلَ بِهَا وَتَأْمُرَ بني إسرائيل أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، فَإِمَّا أَنْ تَأْمُرَهُمْ، وَإِمَّا أَنَا آمُرُهُمْ، فَقَالَ يَحْيَى: أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي بِهَا أَنْ يُخْسَفَ بِي أَوْ أُعَذَّبَ، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، فَامْتَلَأَ المَسْجِدُ وَقَعَدُوا عَلَى الشُّرَفِ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ، وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ: أَوَّلُهُنَّ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَإِنَّ مَثَلَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ، فَقَالَ: هَذِهِ دَارِي وَهَذَا عَمَلِي فَاعْمَلْ وَأَدِّ إِلَيَّ، فَكَانَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ، فَأَيُّكُمْ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ؟ وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، وَآمُرُكُمْ بِالصِّيَامِ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ فِي عِصَابَةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا مِسْكٌ، فَكُلُّهُمْ يَعْجَبُ أَوْ يُعْجِبُهُ رِيحُهَا، وَإِنَّ رِيحَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ، وَآمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ العَدُوُّ، فَأَوْثَقُوا يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَقَالَ: أَنَا أَفْدِيهِ مِنْكُمْ بِالقَلِيلِ وَالكَثِيرِ، فَفَدَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ، وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ العَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ " …

رواه الترمذي (٢٨٦٣) عن الحارث الأشعري رضي الله عنه، وقال: «هذا حديث حسن صحيح غريب»؛ ورواه أحمد كما أورده ابن كثير · الحكم: صحّحه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٥٥٢)

آيات من قصته

فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ وَوَهَبْنَا لَهُۥ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُۥ زَوْجَهُۥٓ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا۟ لَنَا خَـٰشِعِينَ 90

سورة الأنبياء

وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ 85

سورة الأنعام

من السنة

… ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَفَتَحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يَحْيَى وَعِيسَى، وَهُمَا ابْنَا الْخَالَةِ، قَالَ: هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا، ثُمَّ قَالَا: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ …

رواه البخاري (٣٨٨٧) من حديث مالك بن صعصعة رضي الله عنهما في المعراج · الحكم: صحيح

منزلته وفضله

أي: هذا المبشر به وهو يحيى، سيد من فضلاء الرسل وكرامهم … الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية.

ومن فوائد الآية عند ابن عثيمين: أن يحيى عليه الصلاة والسلام سيكون سيدا، وذلك لأنه أحد الأنبياء، والأنبياء هم سادة الخلق وأفضل الخلق.

وقوله: … هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى.

دروس وعبر

  • أن أخذ الكتاب بقوة يكون بالاجتهاد في حفظ ألفاظه، وفهم معانيه، والعمل بأوامره ونواهيه، هذا تمام أخذ الكتاب بقوة.
  • الجمع بين القيام بحق الله وحق خلقه، ومن ذلك بر الوالدين بالقول والفعل والتواضع لعباد الله.
  • أن من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا، وكان من أهل الجنة التي أعدت للمتقين، وحصل له من الثواب الدنيوي والأخروي، ما رتبه الله على التقوى.
  • الثناء على من صدق المرسلين … ولا شك أن من صدق من قامت البينات على صدقه فإنه محمود.
  • مشروعية تبشير الإنسان بما يسره.
  • جواز تقديم التسمية على اليوم السابع، وهذا إذا كان الاسم مهيأ، أما إذا كان غير مهيأ فإنه ينبغي أن يؤخر إلى اليوم السابع.
  • أن الأنبياء من الصالحين بل هم في أعلى مراتب الصلاح، فإن مراتب الصلاح أربعة: وهي النبوة، والصديقية، والشهادة، والصلاح.
  • أن المواطن الثلاثة — يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث — أشق ما تكون على ابن آدم، ولذلك سلم الله على يحيى في كل موطن منها.

المصادر

المصادر

  • القرآن الكريم.
  • تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ط. دار ابن الجوزي (الشاملة ١٥٠٣).
  • قصص الأنبياء من البداية والنهاية، لابن كثير، ت. عبد الواحد (الشاملة ٩٣٢).
  • تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لعبد الرحمن السعدي (الشاملة ٤٢).
  • تفسير سورة آل عمران، لمحمد بن صالح العثيمين (الشاملة ٥٤٥).
  • صحيح البخاري، ط. السلطانية (الشاملة ١٦٨١)، ومقابلته بطبعة البغا (الشاملة ٧٣٥).
  • سنن الترمذي، ت. أحمد شاكر (الشاملة ١٤٣٥).
  • صحيح الترغيب والترهيب، لمحمد ناصر الدين الألباني (الشاملة ١٧١).

نص القرآن الكريم بالرسم العثماني من مشروع تنزيل، كما هو دون تغيير: tanzil.net