يونس عليه السلام أرسله الله إلى أهل نينوى فدعاهم فكذبوه، فذهب مغاضبًا لقومه، فركب السفينة فاقترعوا فوقعت القرعة عليه فألقوه في البحر فالتقمه الحوت. فنادى في الظلمات: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجاب الله له ونجاه من الغم ونبذه بالعراء وأنبت عليه شجرة من يقطين. ثم أرسله إلى مئة ألف أو يزيدون فآمنوا، فنفعهم إيمانهم، فكشف الله عنهم العذاب.
المصدر: البداية والنهاية، ابن كثير، ج ٢، ص ١٦
نسبه وزمانه وقومه
هو يونس بن متى عليه السلام، سمّاه النبي ﷺ ونسبه إلى أبيه في الحديث الصحيح، ويسمّيه القرآن «ذا النون» و«صاحب الحوت». قال السعدي: «ذا النون وهو: يونس، أي: صاحب النون، وهي الحوت».
قال الشيخ ابن عثيمين: «ويونس عليه الصلاة والسلام هو أحد أنبياء بني إسرائيل، أرسله الله تعالى إلى قومه».
وقال ابن كثير في قومه: «والغرض أنه لم توجد قرية آمنت بكمالها بنبيهم ممن سلف من القرى إلا قوم يونس، وهم أهل نينوى»، وقال في قصصه: «قال أهل التفسير: بعث الله يونس عليه السلام إلى أهل "نينوى" من أرض الموصل».
بعثته ودعوته
قال السعدي: «فإن الله تعالى أرسله إلى قومه، فدعاهم، فلم يؤمنوا فوعدهم بنزول العذاب بأمد سماه لهم».
وقال ابن كثير: «فدعاهم إلى الله عز وجل، فكذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم، فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين أظهرهم».
خروجه مغاضبًا وركوبه الفلك
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ 139
إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ 140
فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ 141
فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ 142
سورة الصافات
قال الشيخ ابن عثيمين في معنى إباقه: «والإيباق هو الهرب، وكأنه عليه الصلاة والسلام خرج مسرعًا؛ لأنه خرج مغاضبًا لقومه حين لم يؤمنوا ولم ينزل بهم العذاب». وبنحوه قال الضحاك فيما نقله ابن كثير: ذهب مغاضبًا لقومه، وقال ابن كثير: «فخرج من بين أظهرهم مغاضبًا لهم».
وردّ الشيخ ابن عثيمين ما يُذكر من أن السفينة وقفت في البحر بسبب إباقه، فقال: «ما ذكره المؤلف رحمه الله ليس عليه دليل، وهو من الإسرائيليات البعيدة، بل إن هذه السفينة المشحونة لما كانت في عرض البحر وهي مملوءة وصارت في لجة البحر ثقل الحمل، وإذا ثقل الحمل فلابد من أحد أمرين: إما أن يخفف الحمل، وإما أن يغرق الجميع»، فاقترعوا أيّهم يُلقى، فكان يونس عليه السلام ممن أصابتهم القرعة فأُلقي في البحر.
وفي كونه آتيًا بما يُلام عليه قال الشيخ ابن عثيمين: «والذي يلام عليه أنه خرج من قومه مغاضبًا لهم قبل أن يأذن الله له، وكان الواجب أن يصبر». وقال السعدي: إنه ذهب «لذنب من الذنوب، التي لم يذكرها الله لنا في كتابه، ولا حاجة لنا إلى تعيينها».
وقال الشيخ ابن عثيمين: «التقمه الحوت التقامًا ولم يمضغه؛ لأنه لو مضغه لتكسر وهلك، لكن الله تعالى سخر له هذا الحوت فالتقمه التقامًا وابتلعه حتى وصل إلى مقر بطنه دون أن يصيبه أذى».
وفي الظنّ المذكور في الآية قال ابن كثير: «أي: نضيق عليه في بطن الحوت، يروى نحو هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم، واختاره ابن جرير».
وفي الظلمات التي نادى فيها قال ابن مسعود رضي الله عنه: «ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل»، وكذا روي عن ابن عباس وعمرو بن ميمون وسعيد بن جبير وغيرهم.
قال السعدي في دعائه: «فأقر لله تعالى بكمال الألوهية، ونزهه عن كل نقص، وعيب وآفة، واعترف بظلم نفسه وجنايته»، وقال في وعد الله بإنجاء المؤمنين: «وهذا وعد وبشارة لكل مؤمن وقع في شدة وغم أن الله تعالى سينجيه منها ويكشف عنه ويخفف لإيمانه كما فعل بـ "يونس" عليه السلام».
واختلف أهل العلم في معنى تسبيحه الذي نجّاه الله به: فقيل: معناه «فلولا أنه سبح الله هنالك، وقال ما قال من التهليل والتسبيح، والاعتراف لله بالخضوع»، وقيل: من قبل أخذ الحوت له، «أي المطيعين المصلين الذاكرين الله كثيرا»، واختاره ابن جرير. وقال الشيخ ابن عثيمين: كان ممن يسبح الله «إما قبل أن يلتقمه الحوت، أو في أثناء وجوده في بطن الحوت».
وأما مدة لبثه في بطن الحوت فقد ذُكرت فيها أقوال، قال الشيخ ابن عثيمين: «فهذه أقاويل وكلها ليس عليها دليل، لكن لا شك أن الله سبحانه وتعالى أبقاه في بطن الحوت ما شاء الله أن يبقى».
قال ابن كثير في العراء الذي أُلقي فيه: «وهو المكان القفر الذي ليس فيه شيء من الأشجار، بل هو عار منها»، وفي سقمه: «أي ضعيف البدن». وقال في اليقطين: قال ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وغير واحد: «هو القرع».
وقال الشيخ ابن عثيمين في إنبات الشجرة «عليه»: «لأنه بحاجة إلى ظل، فأنبت الله عليه ظلاًّ».
وقال السعدي: «ولكن الله تغمده برحمته فنبذ وهو ممدوح، وصارت حاله أحسن من حاله الأولى»، وقال في اجتباء الله له: «أي: اختاره واصطفاه ونقاه من كل كدر».
قال ابن كثير: «والغرض أنه لم توجد قرية آمنت بكمالها بنبيهم ممن سلف من القرى إلا قوم يونس، وهم أهل نينوى، وما كان إيمانهم إلا تخوفًا من وصول العذاب الذي أنذرهم به رسولهم بعدما عاينوا أسبابه وخرج رسولهم من بين أظهرهم، فعندها جأروا إلى الله واستغاثوا به وتضرعوا له واستكانوا، وأحضروا أطفالهم ودوابهم ومواشيهم، وسألوا الله تعالى أن يرفع عنهم العذاب الذي أنذرهم به نبيهم».
واختلف المفسرون: هل نفعهم هذا الإيمان في الآخرة كما أنقذهم من العذاب في الدنيا؟ على قولين، قال ابن كثير: «الأظهر من السياق: نعم. والله أعلم».
وفي حكمة قبول إيمانهم بعد أن رأوا العذاب قال السعدي: «ولعل الحكمة في ذلك أن غيرهم من المهلكين لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وأما قوم يونس فإن الله علم أن إيمانهم سيستمر بل قد استمر فعلا وثبتوا عليه والله أعلم». وقال الشيخ ابن عثيمين: «أن الحكمة من هذا أن نبيهم لم يصبر حتى تتم إقامة الحجة عليهم، بل خرج منهم مغاضبًا قبل أن يؤذن له فلم تتم إقامة الحجة، فكان لهم شبه عذر في تأخير العذاب عنهم».
قال الشيخ ابن عثيمين: «أي أرسله الله تعالى بعد ذلك إلى قومه، وأتم رسالته إلى مئة ألف»، وذكر في معنى الزيادة قولين: أنها بمعنى «بل»، أي أنهم زادوا على مئة ألف، وأنها لتحقيق العدد: «أي إن لم يزيدوا على مئة ألف، لم ينقصوا»، وقال في تعيين الزيادة بعشرين أو ثلاثين أو سبعين ألفًا: «لا دليل عليه». وقد اختلف أهل التفسير: هل كان إرساله إليهم قبل الحوت أو بعده، أو هما أمّتان، على ثلاثة أقوال ذكرها ابن كثير.
وقال ابن عثيمين في تمتيعهم: «أي: أبقيناهم إلى حين، وهذا الحين هو وقت آجالهم التي قدرها الله لهم».
آيات من قصته
أمر الله نبيه محمدًا ﷺ بالصبر لحكمه، ونهاه أن يشابه يونس عليه السلام في الحال التي أوجبت له الانحباس في بطن الحوت. قال ابن كثير: أي اصبر يا محمد «على قومك وتكذيبهم لك، فإن الله سيحكم لك عليهم ويجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة».
قال ابن كثير في وصفه بأنه نادى وهو مكظوم: «قال ابن عباس ومجاهد والسدي: وهو مغموم»، وقال السعدي في وصف الله له بالصلاح: «أي: الذين صلحت أعمالهم وأقوالهم ونياتهم، وأحوالهم».
من السنة
نهى النبي ﷺ أن يفضّل أحدٌ نفسه على يونس عليه السلام:
قال ابن كثير في معناه: «أي ليس لأحد أن يفضل نفسه على يونس. والقول الآخر: لا ينبغي لأحد أن يفضلني على يونس بن متى … وهذا من باب الهضم والتواضع منه صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله والمرسلين». وقال الشيخ ابن عثيمين: قال ذلك «لئلا يؤدي تفضيل الرسول ﷺ إلى احتقار يونس عليه الصلاة والسلام».
وقال السعدي: «وهذه الأمة العظيمة، الذين آمنوا بدعوة يونس، من أكبر فضائله». وقال الشيخ ابن عثيمين في فوائد آيات الصافات: «أنه لا يجوز القدح في يونس عليه الصلاة والسلام من أجل ما حصل منه من عدم الصبر … لأنه أحد الرسل، والقدح بالرسل كفر».
دروس وعبر
إثبات رسالة يونس عليه الصلاة والسلام، ويتفرع عليها وجوب الإيمان به رسولًا من عند الله.
أنه لا يجوز القدح في يونس عليه الصلاة والسلام من أجل ما حصل منه من عدم الصبر، لأنه أحد الرسل.
أن الأنبياء قد يأتون ما يلامون عليه، ولكن ييسر لهم الخروج من ذلك.
أن الطاعات السابقة تكون سببًا للنجاة من المهلكات اللاحقة، فإذا عملت عملًا صالحًا فإن هذا العمل قد يكون سببًا لنجاتك من مكاره عظيمة.
وعد وبشارة لكل مؤمن وقع في شدة وغم أن الله تعالى سينجيه منها ويكشف عنه ويخفف لإيمانه كما فعل بيونس عليه السلام.
أن الإنسان لا ينبغي له أن ييأس من الشفاء ولو بلغ به من المرض ما بلغ؛ فهذا الرجل السقيم الذي بقي في بطن الحوت ما شاء الله عافاه الله وشفاه.
جواز المساهمة، يعني القرعة، فيما لا سبيل إلى التمييز فيه إلا بها.
ارتكاب أدنى الضررين لدفع أعلاهما.
إثبات تأثير الأسباب؛ فالأشياء تكون بأسبابها، لكن لا بنفسها ولكن بما أودعه الله بها من أسباب التأثير.
الأمر بالصبر لحكم الله الشرعي والقدري، فالحكم القدري يصبر على المؤذي منه، ولا يتلقى بالسخط والجزع، والحكم الشرعي يقابل بالقبول والتسليم.
المصادر
المصادر
تفسير القرآن العظيم، لابن كثير — ط ابن الجوزي (الشاملة ١٥٠٣)
قصص الأنبياء من البداية والنهاية، لابن كثير — ت عبد الواحد (الشاملة ٩٣٢)
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)، لعبد الرحمن السعدي (الشاملة ٤٢)
تفسير العثيمين: الصافات، لمحمد بن صالح العثيمين (الشاملة ١٥١١٥٨)
صحيح البخاري — ط السلطانية (الشاملة ١٦٨١)
صحيح مسلم — ت محمد فؤاد عبد الباقي (الشاملة ١٧٢٧)
سنن الترمذي — ت أحمد شاكر (الشاملة ١٤٣٥)
صحيح الترغيب والترهيب، لمحمد ناصر الدين الألباني (الشاملة ١٧١)
نص القرآن الكريم بالرسم العثماني من مشروع تنزيل، كما هو دون تغيير: tanzil.net