زكريا عليه السلام نبي من أنبياء بني إسرائيل، كفل مريم في المحراب فكان يجد عندها رزقًا من عند الله، فرغبه ذلك في الذرية الصالحة، فنادى ربه نداء خفيًا وقد بلغه الكبر وكانت امرأته عاقرًا: رب لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين، فاستجاب الله له ووهب له يحيى. كان قدوة في التبتل والدعاء والرجاء بالله، أثنى الله عليه وعلى أهل بيته بأنهم كانوا يسارعون في الخيرات.
المصدر: البداية والنهاية، ابن كثير، ج ٢، ص ٣٩٣
نسبه وزمانه وقومه
زكريا عليه السلام نبي من أنبياء بني إسرائيل، وهو أبو يحيى عليه السلام. ويقال فيه: زكريا بالمد وبالقصر، ويقال: زكري أيضا. ونقل ابن كثير في نسبه أقوالا عن ابن عساكر، ثم قال: وقد قيل غير ذلك في نسبه.
وكان بيته من البيوت المشهورة في الدين، ومعدن الرسالة، ومظنة للخير.
وذلك أن الله تعالى اجتبى واصطفى زكريا عليه السلام لرسالته، وخصه بوحيه، فقام بذلك قيام أمثاله من المرسلين، ودعا العباد إلى ربه، وعلمهم ما علمه الله، ونصح لهم في حياته وبعد مماته، كإخوانه من المرسلين ومن اتبعهم.
وكان يعمل بيده ويأكل من كسبها: قال ابن كثير: إن زكريا عليه السلام كان نجارا يعمل بيده ويأكل من كسبها، كما كان داود عليه السلام يأكل من كسب يده.
كفالته مريم
نذرت امرأة عمران ما في بطنها خالصا لخدمة بيت العبادة، فلما وضعتها أنثى سمتها مريم، ودعت لها ولذريتها أن يعيذهم الله من الشيطان الرجيم.
فجبر الله قلبها، وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى، أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم … أي: ربيت تربية عجيبة، دينية، أخلاقية، أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلا. وهذا من منة الله على العبد، أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين.
وإنما قدر الله كون زكريا كافلها لسعادتها، لتقتبس منه علما جما نافعا وعملا صالحا، ولأنه كان زوج خالتها على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما. وقيل: زوج أختها.
وكان اختيار كافلها بالقرعة: حيث جاءت بها أمها، فاختصموا أيهم يكفلها، لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله، حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها، فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا، رحمة من الله به وبها.
فنشأت في عبادة ربها وفاقت النساء، وانقطعت لعبادة ربها، ولزمت محرابها أي: مصلاها … من غير كسب ولا تعب، بل رزق ساقه الله إليها، وكرامة أكرمها الله بها.
قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو الشعثاء وإبراهيم النخعي والضحاك وقتادة والربيع بن أنس وعطية العوفي والسدي: يعني وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف … وفيه دلالة على كرامات الأولياء.
دعاؤه ربه أن يهب له ولدًا
وكان الباعث له على هذه المسألة أنه لما كفل مريم بنت عمران … وكان كلما دخل عليها محرابها وجد عندها فاكهة في غير إبانها ولا في أوانها وهذه من كرامات الأولياء، فعلم أن الرازق للشيء في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولدا وإن كان قد طعن في سنه.
فلما رأى من نفسه الضعف، وخاف أن يموت، ولم يكن أحد ينوب منابه في دعوة الخلق إلى ربهم والنصح لهم، شكا إلى ربه ضعفه الظاهر والباطن، وناداه … ليكون أكمل وأفضل وأتم إخلاصا.
وظاهر هذا، أنه لم ير فيهم أحدا فيه لياقة للإمامة في الدين، وهذا فيه شفقة زكريا عليه السلام ونصحه، وأن طلبه للولد، ليس كطلب غيره، قصده مجرد المصلحة الدنيوية، وإنما قصده مصلحة الدين، والخوف من ضياعه.
والميراث الذي سأله ميراث النبوة والعلم، لا ميراث المال؛ قال ابن كثير: وليس المراد هاهنا وراثة المال، واستدل لذلك بأن الأنبياء لا يورثون كما ثبت في الحديث، وبأن الدنيا كانت أحقر عند الأنبياء من أن يسألوا الأولاد ليحوزوها بعدهم، وبأن زكريا كان نجارا يأكل من كسب يده فلم يكن ليدخر مالا.
أي: الأمر مستغرب في العادة، وفي سنة الله في الخليقة، ولكن قدرة الله تعالى صالحة لإيجاد الأشياء بدون أسبابها فذلك هين عليه، ليس بأصعب من إيجاده قبل ولم يكن شيئا.
وسؤاله الآية — أي العلامة — ليطمئن بها قلبه: وليس هذا شكا في خبر الله، وإنما هو، كما قال الخليل عليه السلام … فطلب زيادة العلم، والوصول إلى عين اليقين بعد علم اليقين، فأجابه الله إلى طلبته رحمة به.
فإن منعه من الكلام مدة ثلاثة أيام، وعجزه عنه من غير خرس ولا آفة، بل كان سويا، لا نقص فيه، من الأدلة على قدرة الله الخارقة للعوائد، ومع هذا، ممنوع من الكلام الذي يتعلق بالآدميين وخطابهم. وأما التسبيح والتهليل، والذكر ونحوه، فغير ممنوع منه.
فاطمأن قلبه، واستبشر بهذه البشارة العظيمة، وامتثل لأمر الله له بالشكر بعبادته وذكره، فعكف في محرابه، وخرج على قومه منه فأوحى إليهم، أي: بالإشارة والرمز … لأن البشارة بـ "يحيى" في حق الجميع، مصلحة دينية.
وأصلح الله له امرأته، قال السعدي: بعدما كانت عاقرا، لا يصلح رحمها للولادة فأصلح الله رحمها للحمل، لأجل نبيه زكريا، وهذا من فوائد الجليس، والقرين الصالح، أنه مبارك على قرينه، فصار يحيى مشتركا بين الوالدين.
والمقصود أن الله تعالى أمر رسوله ﷺ أن يقص على الناس خبر زكريا عليه السلام وما كان من أمره حين وهبه الله ولدا على الكبر وكانت امرأته مع ذلك عاقرا في حال شبيبتها وقد أسنت أيضا، حتى لا ييأس أحد من فضل الله ورحمته ولا يقنط من فضله تعالى.
واذكر عبدنا ورسولنا زكريا، منوها بذكره، ناشرا لمناقبه وفضائله، التي من جملتها، هذه المنقبة العظيمة المتضمنة لنصحه للخلق، ورحمة الله إياه.
هذا … سنقصه عليك، ونفصله تفصيلا يعرف به حالة نبيه زكريا، وآثاره الصالحة، ومناقبه الجميلة، فإن في قصها عبرة للمعتبرين، وأسوة للمقتدين.
وذكره الله تعالى في سورة الأنعام مع يحيى وعيسى وإلياس، وأخبر أنهم كلهم من الصالحين.
دروس وعبر
أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله، حتى الأنبياء لا يستغنون عن دعاء الله.
أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل مطلق الذرية؛ لأن الذرية قد يكونون نكدا وفتنة، وإنما يسأل الذرية الطيبة.
التوسل إلى الله تعالى بأسمائه المناسبة للحاجة … فالداعي بالمغفرة يتوسل باسم الغفور وبالرحمة، والداعي بالرزق يتوسل باسم الرزاق.
التوسل إلى الله بالضعف والعجز، وهذا من أحب الوسائل إلى الله، لأنه يدل على التبري من الحول والقوة، وتعلق القلب بحول الله وقوته.
التوسل إلى الله بإنعامه السابق وإجابة الدعوات الماضية، فسأل الذي أحسن سابقا، أن يتمم إحسانه لاحقا.
أن الدعاء من أقوى الأسباب في حصول المطلوب وزوال المكروه … وأن الدعاء نفسه عبادة.
ألا ييأس أحد من فضل الله ورحمته ولا يقنط من فضله تعالى، فقد وهب الله زكريا ولدا على الكبر وامرأته عاقر.
أن من منة الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين.
أن الله يقدر أمورا محبوبة على يد من يحبه، ليرفع الله قدره، ويعظم أجره؛ فقد كان يحيى من بركات مريم على زكريا، إذ هيجه ما رأى من رزقها على التضرع والسؤال.
أن الأنبياء كانوا يبادرون إلى الخيرات ويفعلونها في أوقاتها الفاضلة، ويسألون الله الأمور المرغوب فيها، ويتعوذون به من الأمور المرهوب منها، وهم خاضعون متذللون متضرعون.
المصادر
المصادر
القرآن الكريم.
تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ط. دار ابن الجوزي (الشاملة ١٥٠٣).
قصص الأنبياء من البداية والنهاية، لابن كثير، ت. عبد الواحد (الشاملة ٩٣٢).
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لعبد الرحمن السعدي (الشاملة ٤٢).
تفسير سورة آل عمران، لمحمد بن صالح العثيمين (الشاملة ٥٤٥).
صحيح مسلم، ت. محمد فؤاد عبد الباقي (الشاملة ١٧٢٧).
نص القرآن الكريم بالرسم العثماني من مشروع تنزيل، كما هو دون تغيير: tanzil.net