اليسع عليه السلام من أنبياء بني إسرائيل، ذكره الله في القرآن مع صفوة الأنبياء فقال: واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار، وقال: وإسماعيل واليسع ويونس ولوطًا وكلًا فضلنا على العالمين.
المصدر: البداية والنهاية، ابن كثير، ج ٢، ص ٢٨٥
نسبه وزمانه وقومه
اليسع عليه السلام نبيٌّ من أنبياء الله، ذكره الله تعالى في كتابه في موضعين: مع الأنبياء في سورة الأنعام، وفي سورة ص مع إسماعيل وذي الكفل.
قال الشيخ ابن عثيمين في اسمه: «وهو نبي، واللام زائدة، فإذا كانت اللام زائدة فإن الأصل هو يسع، وهو نبي ولكنه نبي رسول، لأن كل نبي ذكر في القرآن فهو رسول».
وفي اسمه قراءتان، قال ابن كثير: «ثم ذكر ابن عساكر قراءة من قرأ اليسع بالتخفيف والتشديد ومن قرأ والليسع وهو اسم واحد لنبي من الأنبياء». وذكر ابن جرير الطبري أن عامة قرّاء الحجاز والعراق قرؤوه بلام واحدة مخففة، وأن جماعة من قرّاء الكوفيين قرؤوه بلامين وبالتشديد.
وذكره الحافظ ابن كثير في «باب ذكر جماعة من أنبياء بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام»، ولم يقصّ القرآن من خبره مع قومه شيئًا، وما أورده ابن كثير في نسبه وأخباره ساقه عن ابن إسحاق وابن عساكر، وأكثره مُسنَدٌ إلى وهب بن منبه.
ذكره في سورة الأنعام
ذكر الله اليسع في سياق الثناء على إبراهيم الخليل وما أكرمه به من الذرية. قال السعدي: «لما ذكر الله تعالى عبده وخليله، إبراهيم عليه السلام، وذكر ما منَّ الله عليه به، من العلم والدعوة، والصبر، ذكر ما أكرمه الله به من الذرية الصالحة، والنسل الطيب. وأن الله جعل صفوة الخلق من نسله، وأعظم بهذه المنقبة والكرامة الجسيمة، التي لا يدرك لها نظير».
وقال السعدي في تفضيل هؤلاء الأنبياء على العالمين: «لأن درجات الفضائل أربع … فهؤلاء من الدرجة العليا، بل هم أفضل الرسل على الإطلاق، فالرسل الذين قصهم الله في كتابه، أفضل ممن لم يقص علينا نبأهم بلا شك».
وقال ابن كثير في ذكر آبائهم وذرياتهم وإخوانهم: «ذكر أصولهم وفروعهم، وذوي طبقتهم وأن الهداية والاجتباء شملهم كلهم».
ثم بيّن الله أن الشرك يحبط العمل ولو وقع من هؤلاء على سبيل الفرض، قال السعدي: «فإن الشرك محبط للعمل، موجب للخلود في النار. فإذا كان هؤلاء الصفوة الأخيار، لو أشركوا -وحاشاهم- لحبطت أعمالهم فغيرهم أولى». وقال ابن كثير: «وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع».
ثم أمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يقتدي بهداهم، قال السعدي: «أي: امش -أيها الرسول الكريم- خلف هؤلاء الأنبياء الأخيار، واتبع ملتهم وقد امتثل ﷺ، فاهتدى بهدي الرسل قبله، وجمع كل كمال فيهم. فاجتمعت لديه فضائل وخصائص، فاق بها جميع العالمين، وكان سيد المرسلين، وإمام المتقين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين».
وقال ابن كثير: «أي: اقتد واتبع، وإذا كان هذا أمرًا للرسول ﷺ، فأمته تبع له، فيما يشرعه ويأمرهم به».
ذكره في سورة ص
وذكره الله في سورة ص بعد الثناء على إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام، فأمر نبيه ﷺ بذكره مع إسماعيل وذي الكفل، وأخبر أن كلًّا منهم من الأخيار.
وقال السعدي في الأمر بذكر إسماعيل واليسع وذي الكفل: «أي: واذكر هؤلاء الأنبياء بأحسن الذكر، وأثن عليهم أحسن الثناء، فإن كلا منهم من الأخيار الذين اختارهم الله من الخلق، واختار لهم أكمل الأحوال، من الأعمال، والأخلاق، والصفات الحميدة، والخصال السديدة».
وقال ابن جرير الطبري: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: واذكر يا محمد إسماعيل واليسع وذا الكفل، وما أبلوا في طاعة الله، فتأس بهم واسلك منهاجهم في الصبر على ما نالك في الله، والنفاذ لبلاغ رسالته».
ما لم يثبت من خبره
يُروى أن اليسع كان وصيَّ إلياس وخليفته في قومه، وأن إلياس رُفع على دابة لونها لون النار وأوصى إليه، فقال الحافظ ابن كثير في هذا الخبر الذي ذكره وهب بن منبه وغيره: «ففي هذا نظر. وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، بل الظاهر أن صحتها بعيدة».
ولذلك اقتصرنا في خبر اليسع عليه السلام على ما ذكره الله في كتابه من الثناء عليه، فهو الثابت الذي لا شك فيه.
من السنة
عدّ ابن عباس رضي الله عنهما نبينا ﷺ ممن أُمر بالاقتداء بالأنبياء المذكورين في سورة الأنعام، ومنهم اليسع عليه السلام، واستدل بذلك على السجود في سورة ص، فروى البخاري عن مجاهد:
جمع الله لليسع عليه السلام أوصاف الكمال التي ذكرها لهؤلاء الأنبياء: فهو ممن هداهم الله واجتباهم، وفضّلهم على العالمين، وجعلهم من الأخيار، وأمر نبيه ﷺ أن يقتدي بهداهم وأن يذكرهم بأحسن الذكر. قال الشيخ ابن عثيمين في فوائد آية ص: «الثناء على إسماعيل واليسع وذا الكفل عليهم الصلاة والسلام، لأن الله أمر بذكرهم للثناء عليهم، وبيان فضيلة هؤلاء الرسل الثلاثة».
دروس وعبر
الثناء على إسماعيل واليسع وذا الكفل عليهم الصلاة والسلام، لأن الله أمر بذكرهم للثناء عليهم.
أن لله عبادًا أخيارًا منهم هؤلاء الثلاثة.
أن ذكر هؤلاء الأنبياء الصفوة وذكر أوصافهم في القرآن يتذكر بأحوالهم المتذكرون، ويشتاق إلى الاقتداء بأوصافهم الحميدة المقتدون.
أن الهدى هدى الله، فاطلبوا منه الهدى فإنه إن لم يهدكم فلا هادي لكم غيره.
أن الشرك محبط للعمل، فإذا كان هؤلاء الصفوة الأخيار لو أشركوا -وحاشاهم- لحبطت أعمالهم فغيرهم أولى.
أن الله يجزي المحسنين بأن يجعل لهم من الثناء الصدق، والذرية الصالحة، بحسب إحسانهم.
أن الأمر للرسول ﷺ بالاقتداء بهدى الأنبياء أمرٌ لأمته، فأمته تبع له فيما يشرعه ويأمرهم به.
التأسي بالأنبياء وسلوك منهاجهم في الصبر على ما ينال في الله، والنفاذ لبلاغ رسالته.
المصادر
المصادر
تفسير القرآن العظيم، لابن كثير — ط ابن الجوزي (الشاملة ١٥٠٣)
قصص الأنبياء من البداية والنهاية، لابن كثير — ت عبد الواحد (الشاملة ٩٣٢)