إلياس عليه السلام

من المرسلين

إلياس عليه السلام من أنبياء بني إسرائيل، أثنى الله عليه فقال: وإن إلياس لمن المرسلين · إذ قال لقومه ألا تتقون · أتدعون بعلًا وتذرون أحسن الخالقين. دعا قومه إلى عبادة الله وحده ونبذ الأصنام ومنها صنم يدعى بعلًا، فكذبوه إلا المخلصين منهم، وترك الله عليه ثناء حسنًا في الآخرين: سلام على إل ياسين.

المصدر: البداية والنهاية، ابن كثير، ج ٢، ص ٢٧٢

نسبه وزمانه وقومه

إلياس عليه السلام نبيٌّ رسولٌ أثنى الله عليه في كتابه. قال الشيخ ابن عثيمين: «الذي يظهر أنه من أنبياء بني إسرائيل».

وذكر علماء النسب أنه من ذرية هارون بن عمران عليه السلام، وقيل في ذلك أقوال، وتعقّب الشيخ ابن عثيمين القول بأنه ابن أخي هارون فقال: «ليس هناك دليل على أنه ابن أخي هارون أخي موسى لا من القرآن ولا من السنة، وذكر قصته بعد قصتهما لا يفيد ذلك فالله تعالى يذكر قصة هود بعد نوح ومع ذلك بينهما زمن طويل، ونحن لا يهمنا صلة هذا النبي بالنبي الآخر من حيث النسب، لكن الذي يهمنا صلة دعوتهما ببعض … فإن الأنبياء دعواهم واحدة، كلهم يدعون إلى توحيد الله، أما النسب فليس بهام».

بعثته ودعوته

وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ 123

إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَلَا تَتَّقُونَ 124

أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ 125

ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ 126

سورة الصافات

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: «يمدح تعالى عبده ورسوله، إلياس عليه الصلاة والسلام، بالنبوة والرسالة، والدعوة إلى الله، وأنه أمر قومه بالتقوى، وعبادة الله وحده، ونهاهم عن عبادتهم، صنما لهم يقال له "بعل" وتركهم عبادة الله، الذي خلق الخلق، وأحسن خلقهم، ورباهم فأحسن تربيتهم، وأدرَّ عليهم النعم الظاهرة والباطنة، وأنكم كيف تركتم عبادة من هذا شأنه، إلى عبادة صنم، لا يضر، ولا ينفع، ولا يخلق، ولا يرزق، بل لا يأكل ولا يتكلم؟ وهل هذا إلا من أعظم الضلال والسفه والغي؟».

وفي معنى «بعل» قال ابن كثير: «قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وعكرمة وقتادة والسدي: بعلًا يعني: ربًا … … وقال الضحاك: هو صنم كانوا يعبدونه».

ونبّه الشيخ ابن عثيمين على أن إلياس عليه السلام لما ذكّرهم بربهم وصفه بأنه أحسن من يخلق ولم يقتصر على ذكر اسمه، قال: «النكتة هنا هي: إقامة الحجة عليهم بعدم صلاحية معبودهم للعبادة، لأنه لا يستطيع الخلق، والله وحده هو الذي يقدر على الخلق وعلى أحسن الخلق».

وقال في تذكيره إياهم بأن الله ربهم ورب آبائهم الأولين إنه إشارة إلى: «أن الله عز وجل هو الذي بيده خلق الحياة والموت، فإن هؤلاء الآباء الأولين قد أماتهم الله، فيذكر هؤلاء بأنهم سوف يموتون كما مات آباؤهم الأولون، ومن المعلوم أن الإنسان إذا كان له قلب وذكر بالموت وأنه سوف ينتقل من هذه الحياة التي هي حياة العمل إلى حياة أخرى وهي حياة الجزاء فلابد أن يلين قلبه».

تكذيب قومه وعاقبتهم

فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ 127

إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ 128

سورة الصافات

قال السعدي: كذّبوه «فيما دعاهم إليه، فلم ينقادوا له، قال الله متوعدا لهم … أي يوم القيامة في العذاب، ولم يذكر لهم عقوبة دنيوية». ثم استثنى منهم المؤمنين: «أي: الذين أخلصهم الله، ومنَّ عليهم باتباع نبيهم، فإنهم غير محضرين في العذاب، وإنما لهم من الله جزيل الثواب».

وقال ابن كثير في إحضارهم: «أي للعذاب، إما في الدنيا والآخرة، أو في الآخرة. والأول أظهر على ما ذكره المفسرون والمؤرخون»، وقال في المستثنَين: «أي إلا من آمن منهم».

الثناء الباقي له

وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ 129

سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِلْ يَاسِينَ 130

إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ 131

إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ 132

سورة الصافات

قال ابن كثير: «أي أبقينا بعده ذكرا حسنا له في العالمين فلا يذكر إلا بخير … والعرب تلحق النون في أسماء كثيرة وتبدلها من غيرها كما قالوا: إسماعيل وإسماعين وإسرائيل وإسرائين، وإلياس وإلياسين».

وقال الشيخ ابن عثيمين: «أفادنا المؤلف أن في الآية قراءتين: الأولى إلياسين، والقراءة الثانية: آل ياسين». وذكر أن من العلماء من قال على القراءة الأولى إن المراد إلياس نفسه، تصرفت العرب في اسمه الأعجمي عند تعريبه، وقيل: المراد قومه، جُمعوا نسبةً إليه،وأن المراد على القراءة الثانية إلياس وقومه.

وقال السعدي في سلام الله عليه: «أي: تحية من الله، ومن عباده عليه»، ثم قال: «فأثنى الله عليه كما أثنى على إخوانه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين».

ما قيل في بقائه حيًا ولم يصح

تُروى أخبار في أن إلياس عليه السلام حيٌّ، وأنه يجتمع بالخضر كل عام، وأخبار في رفعه على دابة لونها لون النار، فردّها الحافظ ابن كثير، فقال بعد أن ذكر خبر اجتماعهما: «وبينا أنه لم يصح شيء من ذلك، وأن الذي يقوم عليه الدليل: أن الخضر مات، وكذلك إلياس عليهما السلام».

وقال في الخبر الذي ذكره وهب بن منبه وغيره عن رفعه: «وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، بل الظاهر أن صحتها بعيدة»، وقال ابن كثير في تفسيره: «هكذا حكاه وهب بن منبه عن أهل الكتاب والله أعلم بصحته».

وأما الحديث المروي في لقاء النبي ﷺ بإلياس في سفر، فقد قال البيهقي: «هذا حديث ضعيف بمرة»، وقال ابن كثير: «فإنه حديث موضوع مخالف للأحاديث الصحاح من وجوه ومعناه لا يصح أيضا»، ثم قال في هذه الأخبار جملة: «وهذه أشياء متعارضة وكلها باطلة لا يصح شيء منها».

آيات من قصته

ذكر الله إلياس عليه السلام في سورة الأنعام في جملة الأنبياء الذين هداهم واجتباهم، وأمر نبيه ﷺ أن يقتدي بهداهم.

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ 84

وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ 85

وَإِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ 86

وَمِنْ ءَابَآئِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ وَإِخْوَٰنِهِمْ ۖ وَٱجْتَبَيْنَـٰهُمْ وَهَدَيْنَـٰهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ 87

ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ 88

أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰٓؤُلَآءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا۟ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ 89

أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ 90

سورة الأنعام

قال السعدي في وصف الله لزكريا ويحيى وعيسى وإلياس بالصلاح: «في أخلاقهم وأعمالهم وعلومهم، بل هم سادة الصالحين وقادتهم وأئمتهم»، وقال في الأنبياء المذكورين في هذه الآيات: «فهؤلاء من الدرجة العليا، بل هم أفضل الرسل على الإطلاق، فالرسل الذين قصهم الله في كتابه، أفضل ممن لم يقص علينا نبأهم بلا شك».

من السنة

استفاد الشيخ ابن عثيمين من إضافة القوم إلى إلياس عليه السلام: «اختصاص رسالة الرسول فيما سبق بقومه»، وبيّن أن عموم رسالة نبينا ﷺ مأخوذ من أدلة أخرى، منها قوله ﷺ في الحديث الصحيح:

أُعْطِيتُ خَمْسًا، لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي … وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً

رواه البخاري (٣٣٥) واللفظ له، ومسلم (٥٢١) بنحوه، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما · الحكم: صحيح

منزلته وفضله

أخبر الله أن إلياس عليه السلام من المرسلين، وأنه من عباده المؤمنين المحسنين، وترك عليه ثناءً حسنًا في الآخرين، وعدّه في سورة الأنعام في الصالحين الذين فضّلهم وهداهم. قال الشيخ ابن عثيمين: من فوائد الآية «إثبات رسالة إلياس»، و«أن الله عز وجل يثني على عباده بما يستحقون من الأوصاف في الآخرين ليبقى ذكرهم مخلدًا. فإنه لولا أن الله ذكر هؤلاء الأنبياء لطويت صحائفهم وما علم عنهم شيء».

دروس وعبر

  • بيان تلطف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في دعوة قومهم؛ لأنه عرض عليهم التقوى وحثّهم عليها، فينزل كل مخاطب منزلته بما يليق به.
  • أن التقوى تطلق على فعل الأوامر وترك النواهي.
  • بيان سفه هؤلاء القوم، لأنهم يعبدون البعل وهو صنم ربما صنعوه بأيديهم فكان مخلوقًا، ويذرون الخالق عز وجل، فإن أحق من يعبد هو الله عز وجل.
  • أنه ينبغي للداعية أن يذكّر الإنسان بما يكون سببًا لاتعاظه، فيذكّرهم بأن آباءهم قد فنوا وذهبوا، وأنهم سوف يذهبون كما ذهب الآباء.
  • أن الإنسان مهما بلغ في عرض الدعوة إلى الله وبيانها والبلاغة في العظة فإنه لا يستلزم أن يؤثر فيمن وجه الخطاب إليه؛ لأن إلياس عرض الدعوة عليهم عرضًا رقيقًا ومع ذلك كذبوه.
  • أنه ينبغي للداعية إذا رُدّ قوله ألا يعتبر نفسه مقصرًا أو فاشلًا؛ لأنه أدى ما عليه وهو البلاغ، والهداية على الله عز وجل.
  • ترتب الجزاء على العمل.
  • أن العباد المخلصين لا ينالهم عذاب هؤلاء في الآخرة قطعًا.
  • أن الله تعالى يجازي المحسن بالإحسان حتى بعد موته، فيبقي له الثناء الحسن.

المصادر

المصادر

  • تفسير القرآن العظيم، لابن كثير — ط ابن الجوزي (الشاملة ١٥٠٣)
  • قصص الأنبياء من البداية والنهاية، لابن كثير — ت عبد الواحد (الشاملة ٩٣٢)
  • تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)، لعبد الرحمن السعدي (الشاملة ٤٢)
  • تفسير العثيمين: الصافات، لمحمد بن صالح العثيمين (الشاملة ١٥١١٥٨)
  • صحيح البخاري — ط السلطانية (الشاملة ١٦٨١)
  • صحيح مسلم — ت عبد الباقي (الشاملة ١٧٢٧)

نص القرآن الكريم بالرسم العثماني من مشروع تنزيل، كما هو دون تغيير: tanzil.net