سليمان عليه السلام ابن داود، ورث النبوة والملك، وسأل ربه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه، فسخر له الريح والجن والشياطين، وعلمه منطق الطير، وأسال له عين القطر. حكم بالعدل وقاد جنوده من الإنس والجن والطير، وقصته مع الهدهد وملكة سبأ في القرآن، إذ دعاها إلى التوحيد فأسلمت مع سليمان لله رب العالمين. كان عبدًا شكورًا أوابًا، وضرب مثلًا في الحكمة وسعة الملك مع التواضع لله.
المصدر: البداية والنهاية، ابن كثير، ج ٢، ص ٣٢٣
نسبه وزمانه وقومه
سليمان عليه السلام ابن داود عليه السلام، نبي ابن نبي من أنبياء بني إسرائيل. قال السعدي: لما أثنى تعالى على داود، وذكر ما جرى له ومنه، أثنى على ابنه سليمان عليهما السلام … أي: أنعمنا به عليه، وأقررنا به عينه.
قال ابن كثير في معنى إرثه أباه: أي ورثه في النبوة والملك، وليس المراد ورثه في المال، لأنه قد كان له بنون غيره، فما كان ليخص بالمال دونهم … فأخبر الصادق المصدوق أن الأنبياء لا تورث أموالهم عنهم كما يورث غيرهم، بل تكون أموالهم صدقة من بعدهم.
قال السعدي: وداود وسليمان من خواص الرسل وإن كانوا دون درجة أولي العزم الخمسة، لكنهم من جملة الرسل الفضلاء الكرام الذين نوه الله بذكرهم ومدحهم في كتابه مدحا عظيما.
قال السعدي: إذ تحاكم إليهما صاحب حرث، نفشت فيه غنم القوم الآخرين، أي: رعت ليلا فأكلت ما في أشجاره، ورعت زرعه، فقضى فيه داود عليه السلام بأن الغنم تكون لصاحب الحرث، نظرا إلى تفريط أصحابها، فعاقبهم بهذه العقوبة، وحكم فيها سليمان بحكم موافق للصواب، بأن أصحاب الغنم يدفعون غنمهم إلى صاحب الحرث فينتفع بدرها وصوفها ويقومون على بستان صاحب الحرث، حتى يعود إلى حاله الأولى، فإذا عاد إلى حاله، ترادّا ورجع كل منهما بما له، وكان هذا من كمال فهمه وفطنته عليه السلام.
قال ابن كثير: ولعل كلا من الحكمين كان سائغا في شريعتهم، ولكن ما قاله سليمان أرجح، ولهذا أثنى الله عليه بما ألهمه إياه ومدح بعد ذلك أباه.
منطق الطير ووادي النمل
قال ابن كثير: يعني أنه عليه السلام كان يعرف ما يتخاطب به الطيور بلغاتها ويعبّر للناس عن مقاصدها وإرادتها.
وقال السعدي: فكان عليه الصلاة والسلام يفقه ما تقول وتتكلم به كما راجع الهدهد وراجعه، وكما فهم قول النملة للنمل … وهذا لم يكن لأحد غير سليمان عليه السلام.
قال السعدي: أي: جمع له جنوده الكثيرة الهائلة المتنوعة من بني آدم، ومن الجن والشياطين ومن الطيور … يدبَّرون ويُرد أولهم على آخرهم، وينظمون غاية التنظيم في سيرهم ونزولهم وحلهم وترحالهم.
وقال: فنصحت هذه النملة وأسمعت النمل … وعرفت حالة سليمان وجنوده وعظمة سلطانه، واعتذرت عنهم أنهم إن حطموكم فليس عن قصد منهم ولا شعور، فسمع سليمان عليه السلام قولها وفهمه … إعجابا منه بفصاحتها ونصحها وحسن تعبيرها. وهذا حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الأدب الكامل، والتعجب في موضعه وأن لا يبلغ بهم الضحك إلا إلى التبسم، كما كان الرسول ﷺ جلّ ضحكه التبسم.
وقال ابن كثير: والمقصود أن سليمان عليه السلام فهم ما خاطبت به تلك النملة لأمتها من الرأي السديد والأمر الحميد وتبسم من ذلك على وجه الاستبشار والفرح والسرور بما أطلعه الله عليه دون غيره.
قال السعدي: فإن النعمة على الوالدين نعمة على الولد. فسأل ربه التوفيق للقيام بشكر نعمته الدينية والدنيوية عليه وعلى والديه.
قال السعدي: دل هذا على كمال عزمه وحزمه وحسن تنظيمه لجنوده وتدبيره بنفسه للأمور الصغار والكبار … وإنما تفقد الطير لينظر الحاضر منها والغائب ولزومها للمراكز والمواضع التي عينها لها.
وقال في وعيده الهدهد: وهذا من كمال ورعه وإنصافه أنه لم يقسم على مجرد عقوبته بالعذاب أو القتل لأن ذلك لا يكون إلا من ذنب، وغيبته قد تحتمل أنها لعذر واضح فلذلك استثناه لورعه وفطنته.
وسبأ: القبيلة المعروفة في اليمن، وكانت تملكهم امرأة، وهم مشركون يعبدون الشمس. وقد ذكر ابن كثير ما نقله الثعلبي وغيره في اسمها ونسبها، وقيل: اسمها بلقيس.
قال ابن كثير: فعند ذلك بعث معه سليمان عليه السلام كتابه يتضمن دعوته لهم إلى طاعة الله وطاعة رسوله والإنابة والإذعان إلى الدخول في الخضوع لملكه وسلطانه.
قال السعدي: وهذا في غاية الوجازة مع البيان التام فإنه تضمن نهيهم عن العلو عليه، والبقاء على حالهم التي هم عليها والانقياد لأمره والدخول تحت طاعته، ومجيئهم إليه ودعوتهم إلى الإسلام، وفيه استحباب ابتداء الكتب بالبسملة كاملة وتقديم الاسم في أول عنوان الكتاب.
قال السعدي: فمن حزمها وعقلها أن جمعت كبار دولتها ورجال مملكتها … أي: ما كنت مستبدة بأمر دون رأيكم ومشورتكم.
وقال ابن كثير: أرادت أن تصانع عن نفسها وأهل مملكتها بهدية ترسلها وتحف تبعثها، ولم تعلم أن سليمان عليه السلام لا يقبل منهم والحالة هذه صرفا ولا عدلا، لأنهم كافرون، وهو وجنوده عليهم قادرون.
واختلف المفسرون في تعيين الذي أتى بالعرش على أقوال ذكرها ابن كثير. قال السعدي: فلم يغترّ عليه السلام بملكه وسلطانه وقدرته كما هو دأب الملوك الجاهلين، بل علم أن ذلك اختبار من ربه فخاف أن لا يقوم بشكر هذه النعمة.
قال السعدي: وهذا من ذكائها وفطنتها لم تقل هو لوجود التغيير فيه والتنكير ولم تنف أنه هو، لأنها عرفته، فأتت بلفظ محتمل للأمرين صادق على الحالين.
وقال: أي: عن الإسلام، وإلا فلها من الذكاء والفطنة ما به تعرف الحق من الباطل ولكن العقائد الباطلة تذهب بصيرة القلب … ثم إن سليمان أراد أن ترى من سلطانه ما يبهر العقول فأمرها أن تدخل الصرح وهي المجلس المرتفع المتسع وكان مجلسا من قوارير تجري تحته الأنهار … فحينئذ لما وصلت إلى سليمان وشاهدت ما شاهدت وعلمت نبوته ورسالته تابت ورجعت عن كفرها.
ثم قال السعدي: فهذا ما قصه الله علينا من قصة ملكة سبأ وما جرى لها مع سليمان، وما عدا ذلك من الفروع المولّدة والقصص الإسرائيلية فإنه لا يتعلق بالتفسير لكلام الله … فالحزم كل الحزم، الإعراض عنها وعدم إدخالها في التفاسير. والله أعلم.
قال السعدي: ولما عرضت عليه الخيل الجياد السبق … وكان لها منظر رائق، وجمال معجب، خصوصا للمحتاج إليها كالملوك، فما زالت تعرض عليه حتى غابت الشمس في الحجاب، فألهته عن صلاة المساء وذكره. فقال ندما على ما مضى منه، وتقربا إلى الله بما ألهاه عن ذكره، وتقديما لحب الله على حب غيره … أي: جعل يعقرها بسيفه، في سوقها وأعناقها.
وهذا قول أكثر السلف؛ قال ابن كثير: فقالوا اشتغل بعرض تلك الخيول حتى خرج وقت العصر وغربت الشمس. روي هذا عن علي بن أبي طالب وغيره. والذي يقطع به أنه لم يترك الصلاة عمدا من غير عذر.
ونبه ابن عثيمين إلى أن تقدير عدد هذه الخيل يحتاج إلى دليل عن معصوم، قال: وحينئذ تكون مسؤوليتنا أن نقف حيث يقف القرآن، فلا نحددها بألف ولا بأكثر ولا بأقل.
قال ابن عثيمين: ولم يبين الله سبحانه هذه الفتنة، لا عينها ولا نوعها، ولهذا ينبغي لنا أن نبهم ما أبهمه الله، ونجمل ما أجمله … ولهذا نقول: إن هذه الفتنة إذا سألنا سائل: ما نوعها، وما عينها؟ نقول: الله أعلم، لأن الله تعالى لم يبينها لنا، ولم ترد في خبر عن معصوم، فوجب علينا أن نسكت. وأما ما ذكر في هذا الموضع من الإسرائيليات؛ فإنها إسرائيليات كاذبة لا تليق بمقام النبوة.
وقال ابن كثير في تفسيره بعد أن ساق ما رُوي هنا: وأرى هذه كلها من الإسرائيليات. وقال في قصص الأنبياء: ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من المفسرين ها هنا آثارا كثيرة عن جماعة من السلف، وأكثرها أو كلها متلقاة من الإسرائيليات، وفي كثير منها نكارة شديدة … واقتصرنا هنا على مجرد التلاوة.
قال ابن عثيمين في إنابته: والمتعيّن أن المعنى: أناب إلى الله، أي: أنه عرف أن هذا الذي نزل به لأمر صدر منه، فرجع إلى الله وأناب إليه، وأحسن التوبة، وأصلح العمل … بدأ بطلب المغفرة قبل طلب الملك العظيم … وذلك لأن زوال أثر الذنوب هو الذي يحصل به المقصود.
قال السعدي: فاستجاب الله له وغفر له، … وزاده ملكا لم يحصل لأحد من بعده، وهو تسخير الشياطين له، يبنون ما يريد، ويغوصون له في البحر، يستخرجون الدر والحلي، ومن عصاه منهم قرنه في الأصفاد وأوثقه.
وقال: إن الله سخر له الريح تجري بأمره، وتحمله، وتحمل جميع ما معه، وتقطع المسافة البعيدة جدا، في مدة يسيرة، فتسير في اليوم، مسيرة شهرين … أي: سخرنا له عين النحاس، وسهلنا له الأسباب، في استخراج ما يستخرج منها من الأواني وغيرها. وسخر الله له أيضا، الشياطين والجن، لا يقدرون أن يستعصوا عن أمره.
وقال ابن كثير في التماثيل التي كانوا يعملونها له: وهي الصور في الجدران، وكان هذا سائغا في شريعتهم وملتهم.
وقال ابن كثير في قوله تعالى له إنه عطاء بغير حساب: أي أعط من شئت واحرم من شئت، فلا حساب عليك … وهذا شأن النبي الملك بخلاف العبد الرسول، فإن من شأنه أن لا يعطي أحدا إلا بإذن الله له في ذلك.
ولما أمكن الله نبيَّنا ﷺ من عفريتٍ من الجن ذكر دعوة سليمان عليه السلام فلم يربطه.
قال السعدي: فلم يزل الشياطين يعملون لسليمان عليه السلام كل بناء، وكانوا قد موّهوا على الإنس، وأخبروهم أنهم يعلمون الغيب، ويطلعون على المكنونات، فأراد الله تعالى أن يُري العباد كذبهم في هذه الدعوى، فمكثوا يعملون على عملهم، وقضى الله الموت على سليمان عليه السلام، واتكأ على عصاه، وهي المنسأة، فصاروا إذا مروا به وهو متكئ عليها، ظنوه حيا، وهابوه.
فغدوا على عملهم كذلك سنة كاملة على ما قيل، حتى سلطت دابة الأرض على عصاه، فلم تزل ترعاها، حتى باد وسقط فسقط سليمان عليه السلام وتفرقت الشياطين … فلو علموا الغيب، لعلموا موت سليمان، الذي هم أحرص شيء عليه، ليسلموا مما هم فيه.
وفي رواية البخاري: «سبعين امرأة»، ونقل ابن كثير قول البخاري عقبه: قال شعيب وابن أبي الزناد: تسعين، وهو أصح.
قال ابن عثيمين: لأجل أن يعرف سليمان وغيره أن الأمر بيد الله، وأنه لا يجوز أن يتألّى أحد على ربه سبحانه.
منزلته وفضله
قال السعدي: فإنه اتصف بما يوجب المدح … أي: رجّاع إلى الله في جميع أحواله، بالتأله والإنابة، والمحبة والذكر والدعاء والتضرع، والاجتهاد في مرضاة الله، وتقديمها على كل شيء.
وقال ابن كثير: وقد كان له عليه السلام من أمور الملك واتساع الدولة وكثرة الجنود وتنوعها ما لم يكن لأحد قبله ولا يعطيه الله أحدا بعده.
وقال: ولما ذكر تعالى ما وهبه لنبيه سليمان عليه السلام من خير الدنيا نبّه على ما أعده له في الآخرة من الثواب الجزيل والأجر الجميل والقربة التي تقربه إليه والفوز العظيم والإكرام بين يديه.
دروس وعبر
أن سليمان من فضائل داود ومن منن الله عليه حيث وهبه له، وأن من أكبر نعم الله على عبده أن يهب له ولدا صالحا، فإن كان عالما كان نورا على نور.
أن عنوان سعادة العبد أن يكون شاكرا لله على نعمه الدينية والدنيوية، وأن يرى جميع النعم من ربه، فلا يفخر بها ولا يعجب بها.
أن النعم والقدرة اختبار من الله، فلم يغترّ سليمان بملكه، بل خاف أن لا يقوم بشكر النعمة.
تقديم سليمان محبة الله تعالى على محبة كل شيء.
أن كل ما أشغل العبد عن الله فإنه مشؤوم مذموم، فليفارقه وليقبل على ما هو أنفع له.
القاعدة المشهورة: من ترك شيئا لله عوّضه الله خيرا منه.
أن سليمان كان ملكا نبيا يفعل ما أراد ولكنه لا يريد إلا العدل، بخلاف النبي العبد الذي تكون إرادته تابعة لأمر الله، كحال نبينا محمد ﷺ، وهذه الحال أكمل.
أن الأمر بيد الله، وأنه لا يجوز أن يتألّى أحد على ربه.
استحباب ابتداء الكتب بالبسملة كاملة، وتقديم اسم الكاتب في أول عنوان الكتاب.
الإعراض عن القصص الإسرائيلية وعدم إدخالها في تفسير كلام الله، لأن الجزم بها يقف على الدليل عن المعصوم.
المصادر
المصادر
قصص الأنبياء من البداية والنهاية، لابن كثير — ت عبد الواحد (الشاملة ٩٣٢)
تفسير القرآن العظيم، لابن كثير — ط ابن الجوزي (الشاملة ١٥٠٣)
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لعبد الرحمن السعدي (الشاملة ٤٢)
تفسير العثيمين: سورة ص، لمحمد بن صالح العثيمين (الشاملة ١٥١١٥٩)
صحيح البخاري — ط السلطانية (الشاملة ١٦٨١)
صحيح مسلم — ت محمد فؤاد عبد الباقي (الشاملة ١٧٢٧)
نص القرآن الكريم بالرسم العثماني من مشروع تنزيل، كما هو دون تغيير: tanzil.net