داود عليه السلام جمع الله له النبوة والملك، آتاه الزبور وألان له الحديد يصنع منه الدروع، وسخر معه الجبال والطير يسبحن بحمد الله، وأوتي صوتًا حسنًا في التسبيح. كان قويًا في طاعة الله كثير الصيام والقيام، أعدل الناس في الحكم، قتل جالوت وهو فتى ففتح الله على يديه. وقال النبي ﷺ: «أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا» (رواه البخاري ومسلم).
المصدر: البداية والنهاية، ابن كثير، ج ٢، ص ٣٠٠
نسبه وزمانه وقومه
داود عليه السلام من ذرية إبراهيم الخليل عليه السلام؛ قال ابن كثير: الصحيح أن الضمير في آية الأنعام عائد على إبراهيم دون نوح عليهما السلام.
وذكر ابن عثيمين أن داود من أنبياء بني إسرائيل وهو بعد موسى، واستدل بأن الله ذكر قتله جالوت في أثناء قصة الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى، قال: إذًا فهو من بني إسرائيل من بعد موسى عليه الصلاة والسلام.
وقال ابن كثير: عبد الله ونبيه وخليفته في أرض بيت المقدس.
طالوت وجالوت
قال ابن كثير: والمقصود أن هؤلاء القوم لما أنهكتهم الحروب وقهرهم الأعداء سألوا نبي الله في ذلك الزمان وطلبوا منه أن ينصب لهم ملكا يكونون تحت طاعته ليقاتلوا من ورائه ومعه وبين يديه الأعداء.
قال السعدي: لما تملّك طالوت ببني إسرائيل واستقر له الملك تجهزوا لقتال عدوهم … وكانوا عددا كثيرا وجما غفيرا، امتحنهم بأمر الله ليتبين الثابت المطمئن ممن ليس كذلك … فعصى أكثرهم وشربوا من النهر الشرب المنهي عنه، ورجعوا على أعقابهم ونكصوا عن قتال عدوهم.
ثم قال السعدي: فاستجاب الله لهم ذلك الدعاء لإتيانهم بالأسباب الموجبة لذلك، ونصرهم عليهم. وكان داود عليه السلام مع جنود طالوت، فباشر قتل ملك الكفار بيده لشجاعته وقوته وصبره، ومنّ الله عليه بتملكه على بني إسرائيل مع الحكمة، وهي النبوة المشتملة على الشرع العظيم والصراط المستقيم … فجمع الله له الملك والنبوة، وقد كان من قبله من الأنبياء يكون الملك لغيرهم.
قال ابن كثير: والزبور كتاب مشهور … وفيه من المواعظ والحكم ما هو معروف لمن نظر فيه.
قال السعدي: ومن نعمه عليه، ما خصه به من أمره تعالى الجمادات، كالجبال والحيوانات، من الطيور، أن تؤوّب معه، وترجّع التسبيح بحمد ربها، مجاوبة له، وفي هذا من النعمة عليه، أن كان ذلك من خصائصه التي لم تكن لأحد قبله ولا بعده، وأن ذلك يكون منهضا له ولغيره على التسبيح.
وقال: وذلك أنه كان من أعبد الناس وأكثرهم لله ذكرا وتسبيحا وتمجيدا، وكان قد أعطاه الله من حسن الصوت ورقته ورخامته، ما لم يؤته أحدا من الخلق، فكان إذا سبح وأثنى على الله، جاوبته الجبال الصم والطيور البهم، وهذا فضل الله عليه وإحسانه.
وقال: أي: علّم الله داود عليه السلام صنعة الدروع، فهو أول من صنعها وعلّمها وسرت صناعته إلى من بعده، فألان الله له الحديد، وعلّمه كيف يسردها والفائدة فيها كبيرة.
وفي صفة إلانة الحديد قولان لأهل العلم: نقل ابن كثير عن الحسن البصري وقتادة والأعمش أن الله ألان له الحديد حتى كان يفتله بيده لا يحتاج إلى نار ولا مطرقة. وقال السعدي: يحتمل هذا، ويحتمل أن إلانة الحديد له بما علّمه الله من الأسباب المعروفة لإذابته، قال: وهذا هو الظاهر، لأن الله امتن بذلك على العباد وأمرهم بشكرها … والله أعلم بذلك.
وكان عليه السلام يأكل من عمل يده، كما ثبت في صحيح البخاري، وسيأتي في فصل السنة.
قال السعدي: ومن أعظم العابدين، نبي الله داود عليه الصلاة والسلام … أي: القوة العظيمة على عبادة الله تعالى، في بدنه وقلبه … أي: رجّاع إلى الله في جميع الأمور بالإنابة إليه، بالحب والتأله، والخوف والرجاء، وكثرة التضرع والدعاء، رجّاع إليه عندما يقع منه بعض الخلل، بالإقلاع والتوبة النصوح.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: الأيد: القوة في العبادة.
قال ابن كثير: وقد كان داود عليه السلام هو المقتدى به في ذلك الزمان في العدل، وكثرة العبادة وأنواع القربات، حتى إنه كان لا يمضي ساعة من آناء الليل وأطراف النهار إلا وأهل بيته في عبادة ليلا ونهارا.
قال السعدي: ثم ذكر منته عليه بالملك العظيم … أي: قويناه بما أعطيناه من الأسباب وكثرة العَدد والعُدد التي بها قوّى الله ملكه، ثم ذكر منته عليه بالعلم … أي: النبوة والعلم العظيم.
ونقل ابن كثير في معنى فصل الخطاب أقوالًا: فقال شريح والشعبي وقتادة وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهم: هو الشهود والأيمان، وقال مجاهد والسدي: هو إصابة القضاء وفهمه، وقال مجاهد: هو الفصل في الكلام وفي الحكم، واختاره ابن جرير.
قال ابن كثير: هذا خطاب من الله تعالى مع داود، والمراد ولاة الأمور وحكام الناس، وأمرهم بالعدل واتباع الحق المنزل من الله، لا ما سواه من الآراء والأهواء، وتوعّد من سلك غير ذلك وحكم بغير ذلك.
قال السعدي: إذ تحاكم إليهما صاحب حرث، نفشت فيه غنم القوم الآخرين، أي: رعت ليلا فأكلت ما في أشجاره، ورعت زرعه، فقضى فيه داود عليه السلام بأن الغنم تكون لصاحب الحرث، نظرا إلى تفريط أصحابها، فعاقبهم بهذه العقوبة، وحكم فيها سليمان بحكم موافق للصواب … ولا يدل ذلك أن داود لم يفهمه الله في غيرها … وهذا دليل على أن الحاكم قد يصيب الحق والصواب وقد يخطئ ذلك.
قال السعدي: لما ذكر تعالى أنه آتى نبيه داود الفصل في الخطاب بين الناس، وكان معروفا بذلك مقصودا، ذكر تعالى نبأ خصمين اختصما عنده في قضية جعلهما الله فتنة لداود، وموعظة لخلل ارتكبه، فتاب الله عليه، وغفر له … أي: محل عبادته من غير إذن ولا استئذان، ولم يدخلوا عليه مع باب، فلذلك لما دخلوا عليه بهذه الصورة، فزع منهم وخاف.
وقال: وهذا الذنب الذي صدر من داود عليه السلام، لم يذكره الله لعدم الحاجة إلى ذكره، فالتعرض له من باب التكلف، وإنما الفائدة ما قصه الله علينا من لطفه به وتوبته وإنابته، وأنه ارتفع محله، فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها.
قال ابن كثير: قد ذكر المفسرون ها هنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه … فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة وأن يردّ علمها إلى الله عز وجل، فإن القرآن حق وما تضمن فهو حق أيضا.
وقال في قصص الأنبياء: وقد ذكر كثير من المفسرين من السلف والخلف هاهنا قصصا وأخبارا أكثرها إسرائيليات ومنها ما هو مكذوب لا محالة. تركنا إيرادها في كتابنا قصدا اكتفاء واقتصارا على مجرد تلاوة القصة من القرآن العظيم.
وقال ابن عثيمين في ردّ ما يُروى من ذلك: وقد بينا أن هذا لا دليل عليه، وأنه لا يليق بمقام العقلاء فضلا عن الأنبياء، وأن هذه قصة مزعومة من اليهود، فهم الذين ركّبوها على داود عليه السلام.
وقال ابن عثيمين: الصحيح أن المراد بالفتنة الاختبار … ومن الفوائد: أن الأنبياء قد يفتنون ويختبرون … ولكن الفتنة التي يفتن بها الأنبياء لا يمكن أن تعود إلى إبطال مقومات الرسالة والنبوة، كالفتنة التي تعود إلى الكذب أو الشرك أو الأخلاق الرديئة وما أشبهها، هذا لا يمكن أن يقع من الأنبياء.
قال ابن كثير: والمراد بالقرآن هاهنا الزبور الذي أنزله عليه وأوحاه إليه … فكان يقرأ الزبور بمقدار ما تسرج الدواب، وهذا أمر سريع مع التدبر والترنم والتغني به على وجه التخشع، صلوات الله وسلامه عليه.
قال ابن عثيمين: وصف الله داود عليه الصلاة والسلام بالعبودية، وهذه أخص أنواع العبودية، لأن العبودية إما عامة، وإما خاصة، وإما خاصة الخاصة، فوصف الرسل بالعبودية خاصة الخاصة.
ومن فوائد الآيات عنده: فضيلة داود أيضا من جهة أخرى وهو أنه مع قوته في العبادة رجّاع إلى الله من ذنبه.
وقال: إن الله سبحانه رفع عنه آثار هذا الذنب، فغفر له، وزاده على ذلك زيادتين عظيمتين مهمتين إحداهما: القرب من الله، والثانية: حسن المآب.
دروس وعبر
أن اجتماع أهل الكلمة والحل والعقد وبحثهم في الطريق الذي تستقيم به أمورهم وفهمه، ثم العمل به، أكبر سبب لارتقائهم وحصول مقصودهم.
أن العلم والرأي مع القوة المنفذة بهما كمال الولايات، وبفقدهما أو فقد أحدهما نقصانها وضررها.
أن الاتكال على النفس سبب الفشل والخذلان، والاستعانة بالله والصبر والالتجاء إليه سبب النصر.
أن من رحمة الله وسننه الجارية أن يدفع ضرر الكفار والمنافقين بالمؤمنين المقاتلين، ولولا ذلك لفسدت الأرض.
الثناء على القوي في العبادة، وعليه يتنزل قول النبي ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» (رواه مسلم ٢٦٦٤).
أن الحكم بين الناس أفضل من العبادات الخاصة، لأن نفعه متعدٍّ، والعبادات الخاصة نفعها قاصر.
أن الأنبياء يلحقهم من الطبائع البشرية ما يلحق غيرهم، فقد لحق داود الفزع كما يلحق سائر الناس.
أن الاستغفار سبب لمحو ما حصل من الذنوب، وأن الله يجيب دعاء من دعاه.
أن الحاكم قد يصيب الحق والصواب وقد يخطئ ذلك مع بذل اجتهاده.
أن صنعة الدروع نعمة من الله على عباده، أجراها على يد عبده داود، فامتن بها عليهم وأمرهم بشكرها.
المصادر
المصادر
قصص الأنبياء من البداية والنهاية، لابن كثير — ت عبد الواحد (الشاملة ٩٣٢)
تفسير القرآن العظيم، لابن كثير — ط ابن الجوزي (الشاملة ١٥٠٣)
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لعبد الرحمن السعدي (الشاملة ٤٢)
تفسير العثيمين: سورة ص، لمحمد بن صالح العثيمين (الشاملة ١٥١١٥٩)
صحيح البخاري — ط السلطانية (الشاملة ١٦٨١)
صحيح مسلم — ت محمد فؤاد عبد الباقي (الشاملة ١٧٢٧)
نص القرآن الكريم بالرسم العثماني من مشروع تنزيل، كما هو دون تغيير: tanzil.net