ذو الكفل عليه السلام

من الصابرين الأخيار

ذو الكفل عليه السلام ذكره الله في القرآن مع الصابرين الأخيار فقال: وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين · وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين. عرف بالصلاح والصبر والوفاء بما تكفل به من طاعة الله والقيام بأمره، فكان من عباد الله الصالحين المصطفين.

المصدر: البداية والنهاية، ابن كثير، ج ١، ص ٥١٦

نسبه وزمانه وقومه

ذكر الله ذا الكفل في كتابه في موضعين: في سورة الأنبياء مع إسماعيل وإدريس، وفي سورة ص مع إسماعيل واليسع، وأثنى عليه فيهما. ولم يذكر القرآن ولا السنة الصحيحة نسبه ولا زمانه ولا اسم قومه، فيُقتصر في خبره على ما ثبت.

نبوته

رجّح ابن كثير وابن عثيمين نبوّته، ومن أهل العلم من توقّف فيها. قال ابن كثير: «وأما ذو الكفل، فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبي. وقال آخرون: إنما كان رجلًا صالحًا، وكان ملكًا عادلًا، وحكمًا مقسطًا، وتوقف ابن جرير في ذلك، فالله أعلم». وقال في «البداية والنهاية»: «فَالظَّاهِرُ مِنْ ذِكْرِهِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ مَقْرُونًا مَعَ هَؤُلَاءِ السَّادَةِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ نَبِيٌّ عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ».

وقال الشيخ ابن عثيمين في تفسير سورة ص: «مختلف في نبوته، فقيل: إنه نبي، والكفل يعني العمل والنصيب، يعني صاحب العمل الكثير والنصيب»، وقال في فوائد الآية: «وبيان فضيلة هؤلاء الرسل الثلاثة: إسماعيل واليسع وذا الكفل عليهم الصلاة والسلام». وقال في تفسير سورة البقرة: «وقد ذكر في القرآن أربعة وعشرون رسولاً»، ثم سرد ثمانية عشر منهم وقال: «ويبقى شعيب، وصالح، وهود، وإدريس، وذو الكفل، ومحمد ﷺ». وقال في موضع آخر: «وعد ذي الكفل منهم، فيه خلاف مشهور بين العلماء، فقيل: رجل صالح وقيل: نبي، وتوقف ابن جرير في ذلك والله أعلم».

وممن توقّف فيه ابن جرير الطبري، قال في تفسير آية الأنبياء: «… وبذى الكفل: رجلًا تكفّل من بعض الناس، إما من نبيٍّ وإما من ملكٍ من صالحي الملوك، بعملٍ من الأعمال، فقام به من بعده، فأثنى الله عليه حسن وفائه بما تكفّل به، وجعله من المعدودين في عباده».

معنى اسمه

ذكر الشيخ ابن عثيمين أن من قال إنه غير رسول فسّر اسمه بخبرٍ أوله «قيل»، ثم قال: «وكلمة قيل: تدل على أنه ضعيف، فالظاهر أن معنى ذا الكفل صاحب العمل الكثير، والجد والنشاط».

من الصابرين الأخيار

وصفه الله بأنه من الصابرين، وأدخله مع إسماعيل وإدريس في رحمته، وبيّن أنهم من الصالحين، قال السعدي: «والصبر: هو حبس النفس ومنعها، مما تميل بطبعها إليه، وهذا يشمل أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على طاعة الله والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة، فلا يستحق العبد اسم الصبر التام، حتى يوفي هذه الثلاثة حقها. فهؤلاء الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، قد وصفهم الله بالصبر، فدل أنهم وفوها حقها، وقاموا بها كما ينبغي، ووصفهم أيضا بالصلاح، وهو يشمل صلاح القلب، بمعرفة الله ومحبته، والإنابة إليه كل وقت، وصلاح اللسان، بأن يكون رطبا من ذكر الله، وصلاح الجوارح، باشتغالها بطاعة الله وكفها عن المعاصي».

ووصفه في سورة ص بأنه من الأخيار، قال السعدي: «واذكر هؤلاء الأنبياء بأحسن الذكر، وأثن عليهم أحسن الثناء، فإن كلا منهم من الأخيار الذين اختارهم الله من الخلق، واختار لهم أكمل الأحوال، من الأعمال، والأخلاق، والصفات الحميدة، والخصال السديدة». وقال إن في ذكرهم في القرآن ما «يتذكر بأحوالهم المتذكرون، ويشتاق إلى الاقتداء بأوصافهم الحميدة المقتدون، ويعرف ما منَّ الله عليهم به من الأوصاف الزكية، وما نشر لهم من الثناء بين البرية».

آيات من قصته

وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ 85

وَأَدْخَلْنَـٰهُمْ فِى رَحْمَتِنَآ ۖ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ 86

سورة الأنبياء

وَٱذْكُرْ عِبَـٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَـٰرِ 45

إِنَّآ أَخْلَصْنَـٰهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ 46

وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلْأَخْيَارِ 47

وَٱذْكُرْ إِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلْأَخْيَارِ 48

سورة ص

منزلته وفضله

ومن فضائله أن الله أمر نبيه ﷺ بذكره، وقرنه بالأنبياء، وشهد له بالصبر والصلاح، وجعله من الأخيار، وأدخله في رحمته. قال السعدي في إسماعيل وإدريس وذي الكفل: «فبصبرهم وصلاحهم، أدخلهم الله برحمته، وجعلهم مع إخوانهم من المرسلين، وأثابهم الثواب العاجل والآجل، ولو لم يكن من ثوابهم، إلا أن الله تعالى نوه بذكرهم في العالمين … لكفى بذلك شرفا وفضلا».

دروس وعبر

  • الثناء على إسماعيل واليسع وذي الكفل، لأن الله أمر بذكرهم للثناء عليهم وبيان فضيلتهم.
  • أن لله عبادًا أخيارًا، منهم هؤلاء الثلاثة.
  • في ذكر الأنبياء في القرآن يتذكر المتذكرون بأحوالهم، ويشتاق المقتدون إلى الاقتداء بأوصافهم الحميدة.
  • الصبر ثلاثة أنواع: على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، ولا يستحق العبد اسم الصبر التام حتى يوفيها حقها.
  • الصلاح يشمل صلاح القلب بمعرفة الله ومحبته والإنابة إليه، وصلاح اللسان بذكر الله، وصلاح الجوارح بطاعته وكفها عن المعاصي؛ وبالصبر والصلاح تُنال رحمة الله.

المصادر

المصادر

  • تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لعبد الرحمن السعدي (الشاملة ٤٢)
  • تفسير القرآن العظيم، لابن كثير — ط ابن الجوزي (الشاملة ١٥٠٣)
  • قصص الأنبياء من البداية والنهاية، لابن كثير — ت عبد الواحد (الشاملة ٩٣٢)
  • البداية والنهاية، لابن كثير — ت التركي (الشاملة ٤٤٤٥)
  • تفسير العثيمين: سورة ص (الشاملة ١٥١١٥٩)
  • تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة (الشاملة ٥٤٤)
  • مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن صالح العثيمين (الشاملة ١٢٢٩٣)
  • جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري)، لابن جرير الطبري — ت التركي (الشاملة ٧٧٩٨)

نص القرآن الكريم بالرسم العثماني من مشروع تنزيل، كما هو دون تغيير: tanzil.net