هارون عليه السلام أخو موسى، سأله موسى ربه أن يشد به أزره ويشركه في أمره فاستجاب الله له، فكان نبيًا وزيرًا لأخيه وناطقًا بالحق، كان أفصح لسانًا من موسى. خلفه موسى في قومه حين ذهب لميقات ربه فعبد القوم العجل، فأنكر عليهم هارون وأمرهم بالثبات على التوحيد فلم يطيعوه حتى رجع موسى. أثنى الله عليهما فقال: ولقد مننا على موسى وهارون · ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم.
المصدر: البداية والنهاية، ابن كثير، ج ٢، ص ١٤٦؛ البداية والنهاية، ابن كثير، ج ٢، ص ٢١١
نسبه وزمانه وقومه
هو هارون أخو موسى بن عمران عليهما السلام، شقيقه لأبيه وأمه؛ قال ابن كثير في استخلاف موسى له: «وهو ابن أمه وأبيه، ووزيره في الدعوة إلى مصطفيه». وكان مع أخيه في بني إسرائيل بمصر، في زمن فرعون الذي استعبدهم.
وقال ابن كثير في نداء هارون أخاه بذكر الأم: ترقّق له بذكر الأم مع أنه شقيقه لأبويه؛ لأن ذكر الأم ههنا أرقّ وأبلغ في الحنو والعطف.
لما أرسل الله موسى إلى فرعون سأل ربه أن يجعل له أخاه هارون وزيرًا يعينه:
وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِى 29
هَـٰرُونَ أَخِى 30
ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى 31
وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى 32
كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا 33
وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا 34
إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا 35
قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَـٰمُوسَىٰ 36
سورة طه
قال السعدي في سؤال موسى أن يكون الوزير من أهله: أي معينًا يعاونني ويؤازرني ويساعدني على من أرسلت إليهم، وسأل أن يكون من أهله لأنه من باب البر، وأحق ببر الإنسان قرابته. وقال في سؤاله أن يشركه في أمره: أي في النبوة بأن تجعله نبيًّا رسولًا كما جعلتني.
قال السعدي: فأجاب الله طلبته ونبّأ أخاه هارون كما نبّأه. وقال ابن كثير: وهذا من وجاهته عند ربه عز وجل، حين شفع أن يوحي الله إلى أخيه فأوحى إليه، وهذا جاه عظيم. وقال: قال بعض السلف: كان من وجاهته أنه شفع في أخيه عند الله، وطلب منه أن يكون معه وزيرًا، فأجابه الله إلى سؤاله، وأعطاه طلبته، وجعله نبيًّا.
قال ابن كثير في خوفهما من فرعون: فهاباه من حيث البشرية، وخافا أن يسطو عليهما في بادئ الأمر، فثبّتهما تعالى. ويوم الزينة اصطفّ السحرة، ووقف موسى وهارون عليهما السلام تجاههم، فلما غلب الحق آمن السحرة.
قال ابن كثير: أوحى الله تعالى إلى موسى وأخيه هارون عليهما السلام أن يتخذا لقومهما بيوتًا متميزة فيما بينهم عن بيوت القبط، ليكونوا على أهبة الرحيل إذا أُمروا به. وفي جعلها قبلة قيل: مساجد، وقيل: كثرة الصلاة فيها، قاله مجاهد وأبو مالك وإبراهيم النخعي والربيع والضحاك وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن وغيرهم.
دعا موسى على فرعون وملئه، قال ابن كثير: وأمّن أخوه هارون على دعائه، فنزل ذلك منزلة الداعي أيضًا … فهذا من إجابة الله تعالى دعوة كليمه وأخيه هارون عليهما السلام.
قال السعدي: ولما ذهب موسى إلى ميقات ربه قال لهارون موصيًا له على بني إسرائيل من حرصه عليهم وشفقته. وقال ابن كثير: استخلف على شعب بني إسرائيل أخاه هارون المحبَّب المبجَّل الجليل … فوصّاه وأمره ونهاه، وليس في هذا لعلوّ منزلته في نبوته منافاة.
موقفه في فتنة العجل
لما فتن السامريُّ بني إسرائيل بالعجل في غيبة موسى، قام هارون فيهم ناهيًا ومذكّرًا:
قال ابن كثير: وقد كان هارون عليه السلام نهاهم عن هذا الصنيع الفظيع أشد النهي، وزجرهم عنه أتم الزجر … يشهد الله لهارون عليه السلام … أنه نهاهم وزجرهم عن ذلك، فلم يطيعوه ولم يتبعوه.
وقال السعدي: إن اتخاذهم العجل، ليسوا معذورين فيه، فإنه وإن كانت عرضت لهم الشبهة في أصل عبادته، فإن هارون قد نهاهم عنه، وأخبرهم أنه فتنة، وأن ربهم الرحمن، الذي منه النعم الظاهرة والباطنة، الدافع للنقم، وأنه أمرهم أن يتبعوه، ويعتزلوا العجل، فأبوا.
فلما رجع موسى عاتب أخاه، فاعتذر هارون. قال ابن كثير: هذا اعتذار من هارون عند موسى في سبب تأخره عنه حيث لم يلحقه فيخبره بما كان من هذا الخطب الجسيم … أي: وما راعيت ما أمرتك به حيث استخلفتك فيهم، قال ابن عباس: وكان هارون هائبًا مطيعًا له.
قال ابن كثير: إنما فعل موسى ذلك بأخيه «خوفًا أن يكون قد قصّر في نهيهم». وقال السعدي في جواب هارون: أي فلا تظن بي تقصيرًا … فإن الأعداء حريصون على أن يجدوا عليَّ عثرة، أو يطلعوا لي على زلة. فندم موسى عليه السلام على ما استعجل من صنعه بأخيه قبل أن يعلم براءته، مما ظنه فيه من التقصير، ثم دعا لنفسه ولأخيه بالمغفرة والرحمة.
وفاته
ذكر ابن كثير في سياق وفاة موسى أنه «كان قد سبق في قدر الله أنه … يموت في التيه، بعد هارون أخيه»، فكانت وفاة هارون في التيه قبل وفاة موسى عليهما السلام. وأما ما يُروى في صفة موته فقد قال ابن كثير في سياقه: «وفي بعض هذا السياق نكارة وغرابة».
أن رسول الله ﷺ خرج إلى تبوك واستخلف عليًّا، فقال: أتخلّفني في الصبيان والنساء؟ قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس نبي بعدي.
… ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح … فلما خلصت فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلّم عليه، فسلّمت عليه، فردّ ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح.
منزلته وفضله
هارون عليه السلام نبيّ رسول، أشركه الله مع أخيه في الرسالة، قال السعدي في سؤال موسى أن يشركه في أمره: أي في النبوة بأن تجعله نبيًّا رسولًا كما جعلتني. وقد ذكره الله في المرسلين الذين أوحى إليهم، وأثنى عليه مع أخيه، ولقيه النبي ﷺ ليلة المعراج في السماء الخامسة فرحّب به، وجعل النبي ﷺ منزلة علي بن أبي طالب منه منزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعده.
دروس وعبر
أن الإنسان يسأل أن يكون عونه من أهله؛ لأن ذلك من باب البر، وأحق ببر الإنسان قرابته.
أن مدار العبادات كلها والدين على ذكر الله، ولهذا سأل موسى أن يكون أخوه معه يتساعدان ويتعاونان على البر والتقوى، فيكثر منهما ذكر الله من التسبيح والتهليل وغيره من أنواع العبادات.
أن الداعي إلى الله يحتاج إلى أعوان ووزراء يساعدونه على مطلوبه؛ لأن الأصوات إذا كثرت لا بد أن تؤثر.
المصادر
المصادر
قصص الأنبياء من البداية والنهاية، لابن كثير، ت عبد الواحد (الشاملة ٩٣٢)
البداية والنهاية، لابن كثير، ت التركي (الشاملة ٤٤٤٥)
تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ط ابن الجوزي (الشاملة ١٥٠٣)
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)، لعبد الرحمن السعدي (الشاملة ٤٢)
صحيح البخاري، ط السلطانية (الشاملة ١٦٨١)
صحيح مسلم، ت محمد فؤاد عبد الباقي (الشاملة ١٧٢٧)
نص القرآن الكريم بالرسم العثماني من مشروع تنزيل، كما هو دون تغيير: tanzil.net