يوسف عليه السلام ابن يعقوب، جمع الله له الحسن في الخلق والخلق، رأى رؤيا السجود فحسده إخوته فألقوه في غيابة الجب، فالتقطته سيارة وبيع في مصر بثمن بخس. راودته امرأة العزيز عن نفسه فاستعصم واختار السجن على المعصية، ثم أخرجه الله بتأويل رؤيا الملك فمكن له في الأرض على خزائنها. عفا عن إخوته وقال: لا تثريب عليكم اليوم، وجمع الله شمله بأبويه، فكانت قصته أحسن القصص في الصبر والعفة والعفو.
المصدر: البداية والنهاية، ابن كثير، ج ١، ص ٤٥٦
نسبه وزمانه وقومه
يوسف عليه السلام هو ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام، وهو أحد أبناء يعقوب الذين تُنسب إليهم أسباط بني إسرائيل.
قال ابن كثير في أبناء يعقوب: «وَكَانَ أَشْرَفُهُمْ وَأَجَلُّهُمْ وَأَعْظَمُهُمْ يُوسُفَ عليه السلام»، وقال: «وَقد أنزل الله عز وجل فِي شَأْنِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، لِيُتَدَبَّرَ مَا فِيهَا مِنَ الْحِكَمِ وَالْمَوَاعِظِ وَالْآدَابِ وَالْأَمْرِ الْحَكِيمِ».
قال السعدي: «واعلم أن الله ذكر أنه يقص على رسوله … في هذا الكتاب، ثم ذكر هذه القصة وبسطها، وذكر ما جرى فيها، فعلم بذلك أنها قصة تامة كاملة حسنة، فمن أراد أن يكملها أو يحسنها بما يذكر في الإسرائيليات التي لا يعرف لها سند ولا ناقل وأغلبها كذب، فهو مستدرك على الله، ومكمل لشيء يزعم أنه ناقص، وحسبك بأمر ينتهي إلى هذا الحد قبحا … فعلى العبد أن يفهم عن الله ما قصه، ويدع ما سوى ذلك مما ليس عن النبي ﷺ ينقل». وعلى هذا جرت هذه القصة، فلم يُذكر فيها إلا ما قصّه الله، وما فسّره به أهل العلم.
قال السعدي: «فكانت هذه الرؤيا مقدمة لما وصل إليه يوسف عليه السلام من الارتفاع في الدنيا والآخرة. وهكذا إذا أراد الله أمرا من الأمور العظام قدم بين يديه مقدمة، توطئة له، وتسهيلا لأمره، واستعدادا لما يرد على العبد من المشاق، لطفا بعبده، وإحسانا إليه، فأوَّلها يعقوب بأن الشمس: أمه، والقمر: أبوه، والكواكب: إخوته، وأنه ستنتقل به الأحوال إلى أن يصير إلى حال يخضعون له، ويسجدون له إكراما وإعظاما».
ونهاه أبوه أن يخبر بها إخوته، قال السعدي: «أي: حسدا … أن تكون أنت الرئيس الشريف عليهم» … «فامتثل يوسف أمر أبيه، ولم يخبر إخوته بذلك، بل كتمها عنهم».
وقال ابن كثير: «وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ قَصَّهَا عَلَى أَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ مَعًا. وَهُوَ غَلَطٌ».
قال السعدي في الآية السابعة: «أي: عبر وأدلة على كثير من المطالب الحسنة … أي: لكل من سأل عنها بلسان الحال أو بلسان المقال، فإن السائلين هم الذين ينتفعون بالآيات والعبر». وقال في عزمهم أن يكونوا صالحين بعد فعلتهم: «فقدموا العزم على التوبة قبل صدور الذنب منهم تسهيلا لفعله، وإزالة لشناعته، وتنشيطا من بعضهم لبعض».
وقال في الذي أشار عليهم بإلقائه في البئر بدل قتله: «وهذا القائل أحسنهم رأيا في يوسف، وأبرهم وأتقاهم في هذه القضية، فإن بعض الشر أهون من بعض، والضرر الخفيف يدفع به الضرر الثقيل».
قال السعدي: «ثم إن الله لطف به بأن أوحى إليه وهو في تلك الحال الحرجة … ففيه بشارة له، بأنه سينجو مما وقع فيه، وأن الله سيجمعه بأهله وإخوته على وجه العز والتمكين له في الأرض».
وقال ابن كثير في بكائهم عند أبيهم: «وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا يَغُرَنَّكَ بُكَاءُ الْمُتَظَلِّمِ فَرُبَّ ظَالِمٍ وَهُوَ باك!».
قال السعدي: «فلم يصدقهم أبوهم بذلك»، وقال في صبر يعقوب: «أما أنا فوظيفتي سأحرص على القيام بها، وهي أني أصبر على هذه المحنة … سالما من السخط والتَّشكِّي إلى الخلق، وأستعين الله على ذلك، لا على حولي وقوتي».
قال السعدي: «والمعنى في هذا: أن السيارة لما وجدوه، عزموا أن يُسِرُّوا أمره، ويجعلوه من جملة بضائعهم التي معهم، حتى جاءهم إخوته فزعموا أنه عبد أبق منهم، فاشتروه منهم بذلك الثمن، واستوثقوا منهم فيه لئلا يهرب، والله أعلم».
قال السعدي: «أي: كما يسرنا له أن يشتريه عزيز مصر، ويكرمه هذا الإكرام، جعلنا هذا مقدمة لتمكينه في الأرض من هذا الطريق». وقال في الآية الثانية والعشرين: «أي: جعلناه نبيا رسولا وعالما ربانيا» … «ودل هذا، على أن يوسف وفَّى مقام الإحسان، فأعطاه الله الحكم بين الناس والعلم الكثير والنبوة».
قال السعدي: «هذه المحنة العظيمة أعظم على يوسف من محنة إخوته، وصبره عليها أعظم أجرا، لأنه صبر اختيار مع وجود الدواعي الكثيرة، لوقوع الفعل، فقدم محبة الله عليها، وأما محنته بإخوته، فصبره صبر اضطرار، بمنزلة الأمراض والمكاره التي تصيب العبد بغير اختياره وليس له ملجأ إلا الصبر عليها، طائعا أو كارها».
وقال السعدي: «فصبر عن معصية الله، مع وجود الداعي القوي فيه، لأنه قد هم فيها هما تركه لله، وقدم مراد الله على مراد النفس …»، وقال: «والحاصل أنه جعل الموانع له من هذا الفعل تقوى الله، ومراعاة حق سيده الذي أكرمه، وصيانة نفسه عن الظلم الذي لا يفلح من تعاطاه».
وسُئل ابن عثيمين عن الهمّ والبرهان فقال: «البرهان ما في قلبه من النور والإيمان الذي حال بينه وبين هذا الذي طلبته المرأة، وهذا يدل على كمال عفته عليه الصلاة والسلام، وعلى كمال تقديم ما يرضي الله على ما يهواه» … «إذاً: هي منقبة ليوسف عليه الصلاة والسلام أن ترك هذا الأمر لله مع قوة الداعي وانتفاء المانع».
ولما امتنع من إجابة طلبها ذهب ليهرب منها ويبادر إلى الخروج من الباب، فبادرت إليه وتعلقت بثوبه فشقّت قميصه، فلما وصلا إلى الباب وجدا زوجها عنده، فبادرت إلى الكذب وزعمت أن المراودة كانت من يوسف، فبرّأ نفسه مما رمته به.
قال السعدي: «ولكن الله تعالى جعل للحق والصدق علامات وأمارات تدل عليه، قد يعلمها العباد وقد لا يعلمونها، فمنَّ الله في هذه القضية بمعرفة الصادق منهما، تبرئة لنبيه وصفيه يوسف عليه السلام، فانبعث شاهد من أهل بيتها، يشهد بقرينة من وجدت معه، فهو الصادق». وقال: «ثم إن سيدها لما تحقق الأمر، قال ليوسف: … أي: اترك الكلام فيه وتناسه ولا تذكره لأحد، طلبا للستر على أهله … فأمر يوسف بالإعراض، وهي بالاستغفار والتوبة».
قال السعدي: «يعني: أن الخبر اشتهر وشاع في البلد، وتحدث به النسوة فجعلن يلمنها» … «وكان هذا القول منهن مكرا، ليس المقصود به مجرد اللوم لها والقدح فيها، وإنما أردن أن يتوصلن بهذا الكلام إلى رؤية يوسف الذي فتنت به امرأة العزيز لتحنق امرأة العزيز، وتريهن إياه ليعذرنها».
وقال في دهشتهن حين رأينه: «وذلك أن يوسف أعطي من الجمال الفائق والنور والبهاء، ما كان به آية للناظرين، وعبرة للمتأملين».
عن أنس بن مالك رضي الله عنه في حديث الإسراء، قال رسول الله ﷺ: «… ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ … فَفُتِحَ لَنَا. فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ ﷺ. إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ. فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ …».
قال السعدي: «فلما تقرر عندهن جمال يوسف الظاهر، وأعجبهن غاية، وظهر منهن من العذر لامرأة العزيز، شيء كثير - أرادت أن تريهن جماله الباطن بالعفة التامة». وقال في دعائه ربه: «فاستحب السجن والعذاب الدنيوي على لذة حاضرة توجب العذاب الشديد» … «فإن العلم والعقل يدعو إلى تقديم أعظم المصلحتين وأعظم اللذتين، ويؤثر ما كان محمود العاقبة».
وقال السعدي: «ولعل يوسف عليه الصلاة والسلام قصد أن يدعوهما إلى الإيمان في هذه الحال التي بدت حاجتهما إليه، ليكون أنجع لدعوته، وأقبل لهما». وقال ابن كثير: «وَكَانَت دَعوته لَهما فِي هَذَا الْحَالِ فِي غَايَةِ الْكَمَالِ ; لِأَنَّ نُفُوسَهُمَا مُعَظِّمَةٌ لَهُ، مُنْبَعِثَةٌ عَلَى تَلَقِّي مَا يَقُولُ بِالْقَبُولِ، فَنَاسَبَ أَنْ يَدْعُوَهُمَا إِلَى مَا هُوَ الْأَنْفَعُ لَهُمَا مِمَّا سَأَلَا عَنْهُ وَطَلَبَا مِنْهُ».
وقال السعدي في إخباره صاحبيه أنه ترك دين المشركين: «والترك كما يكون للداخل في شيء ثم ينتقل عنه، يكون لمن لم يدخل فيه أصلا. فلا يقال: إن يوسف كان من قبل، على غير ملة إبراهيم». وقال في دعوته لهما إلى التوحيد: «أي: أرباب عاجزة ضعيفة لا تنفع ولا تضر، ولا تعطي ولا تمنع، وهي متفرقة ما بين أشجار وأحجار وملائكة وأموات، وغير ذلك من أنواع المعبودات التي يتخذها المشركون».
ثم عبّر رؤياهما: فالذي رأى أنه يعصر الخمر يخرج من السجن فيسقي سيده، والآخر يُصلب فتأكل الطيور منه، وأخبرهما أن ذلك واقع لا محالة. وأوصى الساقيَ أن يذكر أمره للملك.
قال ابن كثير: «وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ السَّعْيِ فِي الْأَسْبَابِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ التَّوَكُّلَ عَلَى رَبِّ الْأَرْبَابِ». ورجّح أن الذي أنساه الشيطانُ هو الناجي منهما، أنساه أن يذكر ما وصّاه به يوسف، وقال: هو الصواب، وضعّف قول من جعل الضمير عائدًا على يوسف، وقال إن الحديث الذي رواه ابن جرير في هذا الموضع ضعيف من كل وجه.
قال السعدي: «لما أراد الله تعالى أن يخرج يوسف من السجن، أرى الله الملك هذه الرؤيا العجيبة، الذي تأويلها يتناول جميع الأمة، ليكون تأويلها على يد يوسف، فيظهر من فضله، ويبين من علمه ما يكون له رفعة في الدارين».
وقال: «وهذا أيضا من لطف الله بيوسف عليه السلام. فإنه لو عبرها ابتداء - قبل أن يعرضها على الملأ من قومه وعلمائهم، فيعجزوا عنها -لم يكن لها ذلك الموقع، ولكن لما عرضها عليهم فعجزوا عن الجواب، وكان الملك مهتما لها غاية، فعبرها يوسف- وقعت عندهم موقعا عظيما». وقال في الساقي حين أُرسل إليه: «فأرسلوه، فجاء إليه، ولم يعنفه يوسف على نسيانه، بل استمع ما يسأله عنه، وأجابه عن ذلك».
وقال ابن كثير: «فَبَذَلَ يُوسُفُ عليه السلام مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ بِلَا تَأَخُّرٍ وَلَا شَرْطٍ، وَلَا طَلَبَ الْخُرُوجَ سَرِيعًا».
قال السعدي: «فعبر يوسف، السبع البقرات السمان والسبع السنبلات الخضر، بأنهن سبع سنين مخصبات، والسبع البقرات العجاف، والسبع السنبلات اليابسات، بأنهن سنين مجدبات» … «فجمع لهم في تأويلها بين التعبير والإشارة لما يفعلونه، ويستعدون به من التدبير في سني الخصب، إلى سني الجدب».
فلما سأل الملكُ النسوةَ برّأنه، قال السعدي: «فحينئذ زال السبب الذي تنبني عليه التهمة، ولم يبق إلا ما عند امرأة العزيز»، فأقرّت بأنها هي التي راودته، وأنه من الصادقين.
واختلف المفسرون في قائل الآيتين الثانية والخمسين والثالثة والخمسين: فقيل هو يوسف، وقيل امرأة العزيز. وقال ابن كثير في الآية الثالثة والخمسين إن كونها من تمام كلامها «أَظْهَرُ وَأَنْسَبُ وَأَقْوَى»، وجعلهما السعدي من كلامها وقال: «وهذا هو الصواب أن هذا من قول امرأة العزيز، لا من قول يوسف، فإن السياق في كلامها، ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر».
قال السعدي في سؤاله أن يُجعل على الخزائن: «وليس ذلك حرصا من يوسف على الولاية، وإنما هو رغبة منه في النفع العام، وقد عرف من نفسه من الكفاءة والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه». وقال ابن كثير: «وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ طَلَبِ الْوِلَايَةِ لِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْأَمَانَةَ وَالْكَفَاءَةَ».
وقال ابن كثير في تمكينه: «أَيْ بَعْدَ السَّجْنِ وَالضِّيقِ وَالْحَصْرِ، صَارَ مُطْلَقَ الرِّكَابِ بِدِيَارِ مِصْرَ» … «هَذَا كُلُّهُ مِنْ جَزَاءِ اللَّهِ وَثَوَابِهِ لِلْمُؤْمِنِ، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي آخِرَتِهِ مِنَ الْخَيْرِ الْجَزِيلِ وَالثَّوَابِ الْجَمِيلِ».
قدوم إخوته
ولما تولّى يوسف أمر الخزائن، قال السعدي: «دبرها أحسن تدبير، فزرع في أرض مصر جميعها في السنين الخصبة، زروعا هائلة، واتخذ لها المحلات الكبار، وجبا من الأطعمة شيئا كثيرا وحفظه، وضبطه ضبطا تاما، فلما دخلت السنون المجدبة، وسرى الجدب، حتى وصل إلى فلسطين، التي يقيم فيها يعقوب وبنوه، فأرسل يعقوب بنيه لأجل الميرة إلى مصر».
قال ابن كثير: «فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ عَرَفَهُمْ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِمْ مَا صَارَ إِلَيْهِ يُوسُفُ عليه السلام مِنَ الْمَكَانَةِ وَالْعَظَمَةِ».
وقال السعدي: «وكان من تدبيره الحسن أنه لا يكيل لكل واحد أكثر من حمل بعير، وكان قد سألهم عن حالهم، فأخبروه أن لهم أخا عند أبيه». وقال في ردّ ثمن الميرة إليهم خفية: «والظاهر أنه أراد أن يرغبهم في إحسانه إليهم بالكيل لهم كيلا وافيا، ثم إعادة بضاعتهم إليهم على وجه لا يحسون بها، ولا يشعرون لما يأتي، فإن الإحسان يوجب للإنسان تمام الوفاء للمحسن».
قال السعدي في قول يعقوب لبنيه: «فلا أثق بالتزامكم وحفظكم، وإنما أثق بالله تعالى»، وفي وصيته لهم عند دخول مصر: «وذلك أنه خاف عليهم العين، لكثرتهم وبهاء منظرهم، لكونهم أبناء رجل واحد، وهذا سبب».
قال السعدي في إيوائه أخاه الشقيق: «ضمه إليه، واختصه من بين إخوته، وأخبره بحقيقة الحال» … «ثم خبره بما يريد أن يصنع ويتحيل لبقائه عنده إلى أن ينتهي الأمر».
وقال السعدي في المنادي: «ولعل هذا المؤذن، لم يعلم بحقيقة الحال»، وفي جوابهم عن جزاء السارق: «وكان هذا في دينهم أن السارق إذا ثبتت عليه السرقة كان ملكا لصاحب المال المسروق»، وفي حكم الملك: «لأنه ليس من دينه أن يتملك السارق، وإنما له عندهم، جزاء آخر»، وفي الكيد الذي يسّره الله له: «أي: يسرنا له هذا الكيد، الذي توصل به إلى أمر غير مذموم».
ولما رمَوه وأخاه بالسرقة، قال السعدي: «أي: لم يقابلهم على ما قالوه بما يكرهون، بل كظم الغيظ، وأسرَّ الأمر في نفسه»، وقال ابن كثير: «أَجَابَهُمْ سِرًّا لَا جَهْرًا، حِلْمًا وَكَرَمًا وَصَفْحًا وعفوا». وقال السعدي في جوابه لما عرضوا عليه أن يحبس أحدهم بدله: «ولم يقل «من سرق» كل هذا تحرز من الكذب».
قال السعدي: «فلما انتهى الأمر، وبلغ أشده، رقَّ لهم يوسف رقَّة شديدة، وعرَّفهم بنفسه، وعاتبهم». وقال في وصفه إياهم بالجهل: «وهذا نوع اعتذار لهم بجهلهم، أو توبيخ لهم إذ فعلوا فعل الجاهلين، مع أنه لا ينبغي ولا يليق منهم».
وقال في إقرارهم: «وهذا غاية الاعتراف منهم بالجرم الحاصل منهم على يوسف»، وفي عفوه عنهم: «فسمح لهم سماحا تاما، من غير تعيير لهم على ذكر الذنب السابق، ودعا لهم بالمغفرة والرحمة، وهذا نهاية الإحسان، الذي لا يتأتى إلا من خواص الخلق وخيار المصطفين».
قال السعدي: «فهذا القميص - لما كان فيه أثر ريح يوسف، الذي أودع قلب أبيه من الحزن والشوق ما الله به عليم - أراد أن يشمه، فترجع إليه روحه، وتتراجع إليه نفسه، ويرجع إليه بصره، ولله في ذلك حكم وأسرار، لا يطلع عليها العباد». وقال ابن كثير في رجوع بصره: «وَهَذَا مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ وَدَلَائِلِ النُّبُوَّاتِ وَأَكْبَرِ الْمُعْجِزَاتِ».
وقال ابن كثير في طلبهم الاستغفار من أبيهم: «وَلَمَّا كَانَ مِنْ نِيَّتِهِمُ التَّوْبَةُ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَفَّقَهُمُ اللَّهُ لِلِاسْتِغْفَارِ عِنْدَ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُمْ».
قال ابن كثير في سجودهم له: «أَيْ سَجَدَ لَهُ الْأَبَوَانِ وَالْإِخْوَةُ الْأَحَدَ عَشَرَ، تَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا. وَكَانَ هَذَا مَشْرُوعًا لَهُمْ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ مَعْمُولًا بِهِ فِي سَائِرِ الشَّرَائِعِ حَتَّى حرم فِي ملتنا».
وقال السعدي: «وهذا من لطفه وحسن خطابه عليه السلام، حيث ذكر حاله في السجن، ولم يذكر حاله في الجب، لتمام عفوه عن إخوته، وأنه لا يذكر ذلك الذنب» … «بل كأن الذنب والجهل، صدر من الطرفين».
وقال في دعائه الأخير: «قال مقرا بنعمة الله شاكرا لها داعيا بالثبات على الإسلام» … «أي: أدم عليّ الإسلام وثبتني عليه حتى توفاني عليه، ولم يكن هذا دعاء باستعجال الموت».
كان يوسف عليه السلام رسولًا إلى أهل مصر. قال ابن كثير في تفسير سورة غافر: «يعني: أهل مصر، وقد بعث الله فيهم رسولًا من قبل موسى عليه الصلاة والسلام وهو: يوسف عليه الصلاة والسلام كان عزيز أهل مصر، وكان رسولًا يدعو إلى الله تعالى أُمته القبط، فما أطاعوه تلك الطاعة إلا لمجرد الوزارة والجاه الدنيوي».
ووصفه الساقي بالصدّيق، قال السعدي: «أي: كثير الصدق في أقواله وأفعاله».
وقال ابن كثير في عفته: «فَهُوَ سَيِّدُ السَّادَةِ النُّجَبَاءِ، السَّبْعَةِ الْأَتْقِيَاءِ، الْمَذْكُورِينَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ»، يعني حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله.
وقال السعدي في جماله الظاهر والباطن: «فإن جماله الظاهر، أوجب للمرأة … ما أوجب … وأما جماله الباطن، فهو العفة العظيمة عن المعصية، مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوعها، وشهادة امرأة العزيز والنسوة بعد ذلك ببراءته».
دروس وعبر
أن هذه القصة من أحسن القصص وأوضحها وأبينها، لما فيها من أنواع التنقلات، من حال إلى حال، ومن محنة إلى محنة، ومن محنة إلى منحة ومنَّة، ومن ذل إلى عز، ومن رقٍّ إلى ملك، ومن فرقة وشتات إلى اجتماع وائتلاف، ومن حزن إلى سرور.
أن فيها أصلا لتعبير الرؤيا، وأن علم التعبير من العلوم المهمة التي يعطيها الله من يشاء، وأنه لا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم.
ما فيها من الأدلة على صحة نبوة محمد ﷺ، حيث قصَّ على قومه هذه القصة الطويلة، وهو لم يقرأ كتب الأولين ولا دارس أحدا.
الحذر من شؤم الذنوب، وأن الذنب الواحد يستتبع ذنوبا متعددة؛ فإخوة يوسف لما أرادوا التفريق بينه وبين أبيه احتالوا لذلك بأنواع من الحيل، وكذبوا عدة مرات.
أن العبرة في حال العبد بكمال النهاية، لا بنقص البداية؛ فقد انتهى أمر إخوة يوسف إلى التوبة النصوح، والسماح التام من يوسف ومن أبيهم.
أن الهمَّ الذي همَّ به يوسف ثم تركه لله مما يقربه إلى الله زلفى، لأن الهمّ داع من دواعي النفس، فلما قابل بينه وبين محبة الله وخشيته غلبت محبة الله وخشيته داعي النفس والهوى، وإنما الهم الذي يلام عليه العبد الهم الذي يساكنه ويصير عزما ربما اقترن به الفعل.
أنه ينبغي للعبد إذا رأى محلا فيه فتنة وأسباب معصية أن يفر منه ويهرب غاية ما يمكنه، والحذر من الخلوة بالنساء التي يخشى منهن الفتنة.
أن العبد إذا ابتلي بين فعل معصية وعقوبة دنيوية اختار العقوبة الدنيوية على مواقعة الذنب، كما اختار يوسف السجن على المعصية، وأنه ينبغي أن يلتجئ إلى الله عند أسباب المعصية ويتبرأ من حوله وقوته.
أنه كما على العبد عبودية لله في الرخاء فعليه عبودية له في الشدة؛ فيوسف لم يزل يدعو إلى الله، فلما دخل السجن استمر على ذلك، ودعا الفتيين إلى التوحيد قبل أن يعبر رؤياهما، فبدأ بالأهم فالأهم.
فضيلة التقوى والصبر، وأن كل خير في الدنيا والآخرة فمن آثارهما، وأن عاقبة أهلهما أحسن العواقب، وأن الفرج مع الكرب.
المصادر
المصادر
قصص الأنبياء من البداية والنهاية، لابن كثير — ت عبد الواحد (الشاملة ٩٣٢)
تفسير القرآن العظيم، لابن كثير — ط ابن الجوزي (الشاملة ١٥٠٣)
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لعبد الرحمن السعدي (الشاملة ٤٢)
اللقاء الشهري، لابن عثيمين (الشاملة ٧٦٨٦)
صحيح البخاري — ط السلطانية (الشاملة ١٦٨١)
صحيح مسلم — ت محمد فؤاد عبد الباقي (الشاملة ١٧٢٧)
نص القرآن الكريم بالرسم العثماني من مشروع تنزيل، كما هو دون تغيير: tanzil.net