أيوب عليه السلام

مضرب المثل في الصبر

أيوب عليه السلام ضربه الله مثلًا في الصبر على البلاء، كان ذا مال وأهل وولد ثم ابتلاه الله في جسده وماله وأهله سنين طويلة، فما ازداد إلا صبرًا وشكرًا وذكرًا لله، لا يشكو إلا إلى ربه. فلما نادى ربه: أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، استجاب الله له وكشف ما به من ضر ورد عليه أهله ومثلهم معهم رحمة منه، وأثنى عليه فقال: إنا وجدناه صابرًا نعم العبد إنه أواب.

المصدر: البداية والنهاية، ابن كثير، ج ١، ص ٥٠٦

نسبه وزمانه وقومه

ذكر ابن كثير أن أيوب عليه السلام من ذرية إبراهيم الخليل عليه السلام، كما قرّره عند آية الأنعام، قال: الصحيح أن الضمير عائد على إبراهيم دون نوح عليهما السلام.

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ 84

سورة الأنعام

قال ابن كثير: وهو من الأنبياء المنصوص على الإيحاء إليهم في سورة النساء … فالصحيح أنه من سلالة العيص بن إسحاق. وقيل غير ذلك في نسبه.

۞ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَـٰرُونَ وَسُلَيْمَـٰنَ ۚ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا 163

سورة النساء

نعمة الله عليه ثم ابتلاؤه

يذكر تعالى عن أيوب عليه السلام ما كان أصابه من البلاء في ماله وولده وجسده، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير وأولاد ومنازل مرضية، فابتلي في ذلك كله وذهب عن آخره، ثم ابتلي في جسده.

وقد كان نبي الله أيوب عليه السلام غاية في الصبر، وبه يضرب المثل في ذلك.

وذكر ابن كثير في هذا الموضع قول النبي ﷺ في أن أشدّ الناس بلاءً الأنبياء، وأن الرجل يُبتلى على قدر دينه.

قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ البَلَاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ»

رواه الترمذي (٢٣٩٨) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وقال: حسن صحيح · الحكم: صحّحه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٤٣)

مس الشيطان له بقدر الله

وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ 41

سورة ص

قال ابن عثيمين: وكان الشيطان قد آذاه. ولكن هل هو إيذاء نفسي بأن ألقى في قلبه الوساوس التي أنهكت بدنه، أو أنه إيذاء حسي … فالله أعلم؛ يحتمل هذا وهذا.

نسب ذلك إلى الشيطان، لأنه السبب، وإلا فالأمر كله بقدر الله، والله تعالى بحكمته سلّط عليه الشيطان، ولكن تسلطه كان بقضاء الله وقدره.

قال السعدي: أي: اذكره … بأحسن الذكر، وأثنِ عليه بأحسن الثناء، حين أصابه الضر، فصبر على ضره، فلم يشتك لغير ربه، ولا لجأ إلا إليه.

دعاؤه وكشف الضر عنه

۞ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ 83

سورة الأنبياء

قال السعدي: فتوسل إلى الله بالإخبار عن حال نفسه، وأنه بلغ الضر منه كل مبلغ، وبرحمة ربه الواسعة العامة، فاستجاب الله له.

قال ابن عثيمين: ولما نادى ربه عز وجل، وتضرع إليه، وعلم أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وبعد أن تفرغ قلبه من كل شيء سوى الله، جاءه الفرج … أي: اضرب برجلك الأرض، فضرب الأرض بها فنبع منها الماء بإذن الله، ولم يحتج إلى حفار ولا إلى أحد يساعده.

ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌۢ بَارِدٌ وَشَرَابٌ 42

سورة ص

قال ابن كثير: فأنبع الله له عينا باردة الماء، وأُمر أن يغتسل فيها ويشرب منها، فأذهب الله عنه ما كان يجده من الألم والأذى، والسقم والمرض، الذي كان في جسده ظاهرا وباطنا، وأبدله الله بعد ذلك كله صحة ظاهرة وباطنة، وجمالا تاما ومالا كثيرا.

رد الله عليه أهله ومثلهم معهم

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ 43

سورة ص

قال ابن كثير في معنى ذلك: فقيل أحياهم الله بأعيانهم، وقيل آجره فيمن سلف، وعوّضه عنهم في الدنيا بدلهم، وجمع له شمله بكلهم في الدار الآخرة.

ورجّح ابن عثيمين أنه لم تثبت الإماتة ولا الإحياء، وإنما هذه الهبة إعادة موهوب سابق، لأنهم نفروا منه، وشردوا عنه، ثم قال: إن الله رزقه أولادا جددا … وصلحت حاله، وصار ينجب، فبارك الله له في ولده.

قال السعدي: أي: وليتذكر أولو العقول بحالة أيوب ويعتبروا، فيعلموا أن من صبر على الضر، أن الله تعالى يثيبه ثوابا عاجلا وآجلا ويستجيب دعاءه إذا دعاه.

وقال ابن كثير: هي تذكرة لمن ابتلي في جسده أو ماله أو ولده، فله أسوة بنبي الله أيوب؛ حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبر واحتسب حتى فرّج الله عنه.

الضغث والوفاء باليمين

وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ 44

سورة ص

ونبّه ابن عثيمين إلى أن مفعول «فاضرب» في الآية محذوف، قال: «وحذف -والعلم عند الله- للستر، لأنه ليس في القرآن أمر بضرب الزوجة، ولكنه جاء في القصص المعروفة عن بني إسرائيل. وليس المقصود أن نعرف عين المضروب، ولكن المقصود أن الضرب الذي كان قد حلف عليه؛ يحصل بأخذ هذا الضغث والضرب به».

آيات من قصته

۞ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ 83

فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ فَكَشَفْنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرٍّ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَـٰبِدِينَ 84

سورة الأنبياء

وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ 41

ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌۢ بَارِدٌ وَشَرَابٌ 42

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ 43

وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ 44

سورة ص

من السنة

ومما ثبت في السنة من خبره بعد العافية ما رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، في باب قول الله تعالى في أيوب عليه السلام.

«بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ فَنَادَى رَبُّهُ يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى قَالَ بَلَى يَا رَبِّ وَلَكِنْ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ»

رواه البخاري (٣٣٩١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه أيضًا في كتاب الغسل (٢٧٩) · الحكم: صحيح

قال محقق «قصص الأنبياء»: الرِّجل: الجماعة العظيمة، ويحثي: يجمع.

منزلته وفضله

قال ابن عثيمين: في هذه الآيات الثناء على أيوب عليه الصلاة والسلام بما ذُكر من أوصاف، وفيها الإشارة بمناقبه، حيث أمر الله نبيه محمدا ﷺ أن يذكر عبده أيوب.

والمراد بالعبد هنا المتذلل لطاعة الله، وهذه العبودية من عبودية أخص الخاصة، لأنها عبودية الرسالة.

وبيّن ابن عثيمين أن صبر أيوب عليه السلام جمع أنواع الصبر الثلاثة: صبرًا على قدر الله، إذ صبر على ما مسّه، وصبرًا عن معصية الله، إذ لم يجزع ولم يسخط، وصبرًا على طاعة الله، إذ لجأ إلى الله ودعاه فأجابه، فحصل له أنواع الصبر كلها.

وقال السعدي في ثناء الله عليه بالعبودية: الذي كمل مراتب العبودية، في حال السراء والضراء، والشدة والرخاء … أي: كثير الرجوع إلى الله، في مطالبه الدينية والدنيوية، كثير الذكر لربه والدعاء، والمحبة والتأله.

دروس وعبر

  • أن البلاء يشمل الأنبياء.
  • أن الله تعالى يجيب دعوة المضطرين إليه، إذا صدق الإنسان في دعوته.
  • أنه كلما اشتدت الأمور فانتظر الفرج، فهذا أيوب لما اشتد به الأمر، ولجأ إلى الله، أجاب الله تعالى دعاءه.
  • جواز التوسل إلى الله تعالى بحال العبد، لأن أيوب توسل إلى الله تعالى بحاله، وهذا أحد أنواع التوسل الجائز.
  • إثبات الأسباب؛ فلو شاء الله تعالى لأنبع له الماء بدون الركض بالرجل، ولكن الله تعالى جعل ذلك سببا.
  • أن الله تعالى يمنّ على العبد بأكثر مما فقد إذا صبر واحتسب، فأنت اصبر، تظفر.
  • جواز استعمال الحيل المباحة، كما أفتى الله أيوب بالضرب بالضغث برًّا بيمينه.
  • أن من صبر على الضر فإن الله تعالى يثيبه ثوابا عاجلا وآجلا ويستجيب دعاءه إذا دعاه.
  • أن العابدين إذا نظروا سبب ما أثاب الله أيوب بعد زوال البلاء وجدوه الصبر، فجعلوه أسوة وقدوة عندما يصيبهم الضر.

المصادر

المصادر

  • تفسير القرآن العظيم، لابن كثير — ط ابن الجوزي (الشاملة ١٥٠٣)
  • قصص الأنبياء من البداية والنهاية، لابن كثير — ت عبد الواحد (الشاملة ٩٣٢)
  • تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لعبد الرحمن السعدي (الشاملة ٤٢)
  • تفسير العثيمين: سورة ص، لمحمد بن صالح العثيمين (الشاملة ١٥١١٥٩)
  • صحيح البخاري — ط السلطانية (الشاملة ١٦٨١)
  • سنن الترمذي — ت شاكر (الشاملة ١٤٣٥)
  • سلسلة الأحاديث الصحيحة، لمحمد ناصر الدين الألباني (الشاملة ٩٤٤٢)

نص القرآن الكريم بالرسم العثماني من مشروع تنزيل، كما هو دون تغيير: tanzil.net