إسحاق عليه السلام

بشارة إبراهيم

إسحاق عليه السلام ابن إبراهيم من زوجه سارة، بشرته الملائكة به على كبر فبشروها به وبيعقوب من ورائه. جعله الله نبيًا صالحًا، وأثنى عليه في القرآن مع أبيه وابنه بأنهم من المصطفين الأخيار، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، فمنه أنبياء بني إسرائيل.

المصدر: البداية والنهاية، ابن كثير، ج ١، ص ٤٤٧

نسبه وزمانه وقومه

إسحاق عليه السلام ابنُ خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، وأبو يعقوب عليه السلام. قال الشيخ ابن عثيمين في تفسير ذكره مع أبيه وابنه في سورة ص: «إبراهيم ﵊ إمام الحنفاء، الذي أُمرنا باتباع ملته … وإسحاق ابنه، ويعقوب حفيده ابن ابنه».

وكان إسماعيل أكبر منه؛ قال ابن عثيمين: «بشرنا إبراهيم بإسحاق يعني أعلمناه به على وجه يسر به بعد البشارة الأولى بإسماعيل، ولهذا كان إسماعيل أكبر من إسحاق عليهما الصلاة والسلام».

وأمّه سارة امرأة إبراهيم، وقد بشّرتهما الملائكة به. قال ابن كثير: «وقد كانت البشارة به من الملائكة لإبراهيم وسارة لما مروا بهما مجتازين ذاهبين إلى مدائن قوم لوط، ليدمروا عليهم لكفرهم وفجورهم».

ومن ذريته كان أنبياء بني إسرائيل؛ قال ابن عثيمين: «أما أنبياء بني إسرائيل فكلهم من ذرية إسحاق».

البشارة به

أرسل الله الملائكة لإهلاك قوم لوط، وأمرهم أن يمرّوا على إبراهيم فيبشّروه بإسحاق، فلما دخلوا عليه سلّموا عليه فردّ عليهم السلام، وبادر إلى بيته فقرّب إليهم عجلًا مشويًّا سمينًا، فلما رآهم لا يمدّون أيديهم إلى الطعام أنكرهم وخاف منهم، قبل أن يعرف أمرهم، فأخبروه أنهم رسل الله أُرسلوا إلى قوم لوط.

وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا ۖ قَالَ سَلَـٰمٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ 69

فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۚ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ 70

وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ 71

قَالَتْ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ 72

قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ 73

سورة هود

قال ابن كثير في البشارة بإسحاق ومن ورائه يعقوب: «أي: بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل، فإن يعقوب ولد إسحاق».

وقال في «قصص الأنبياء»: هو «دليل على أنها تستمتع بوجود ولدها إسحاق، ثم من بعده يولد ولده يعقوب. أي يولد في حياتهما لتقر أعينهما به كما قرت بولده».

ولما تعجّبت سارة أن تلد وهي عجوز وزوجها شيخ كبير، ردّت الملائكة تعجّبها؛ قال السعدي: «فإن أمره لا عجب فيه، لنفوذ مشيئته التامة في كل شيء، فلا يستغرب على قدرته شيء، وخصوصا فيما يدبره ويمضيه، لأهل هذا البيت المبارك».

وجاءت البشارة نفسها في سورتي الحجر والذاريات، وذكر ابن كثير أن الغلام العليم الذي بُشّر به إبراهيم هناك هو إسحاق أخو إسماعيل.

وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَٰهِيمَ 51

إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَقَالُوا۟ سَلَـٰمًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ 52

قَالُوا۟ لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَـٰمٍ عَلِيمٍ 53

قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى عَلَىٰٓ أَن مَّسَّنِىَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ 54

قَالُوا۟ بَشَّرْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْقَـٰنِطِينَ 55

قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ 56

سورة الحجر

هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ 24

إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَقَالُوا۟ سَلَـٰمًا ۖ قَالَ سَلَـٰمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ 25

فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ 26

فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ 27

فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۖ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ ۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَـٰمٍ عَلِيمٍ 28

فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُۥ فِى صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ 29

قَالُوا۟ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ 30

سورة الذاريات

نبوته والبركة عليه

وبشّر الله إبراهيم بإسحاق نبيًّا بعد أن ذكر قصة الذبيح؛ قال ابن كثير: «لما تقدمت البشارة بالذبيح وهو إسماعيل عطف بذكر البشارة بأخيه إسحاق».

وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ 112

وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰٓ إِسْحَـٰقَ ۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌ 113

سورة الصافات

قال السعدي: «هذه البشارة الثانية بإسحاق، الذي من ورائه يعقوب، فبشر بوجوده وبقائه، ووجود ذريته، وكونه نبيا من الصالحين، فهي بشارات متعددة».

وبُشّر بنبوّته قبل أن يكون نبيًّا؛ قال ابن عثيمين: «فإنه حال البشارة ليس بنبي إذ إنه صغير، ولكن سيكون نبيًّا، ولما كان هذا الأمر محققًا جعل كأنه حال واقعة وأمر واقع».

وفي البركة عليه وعلى أبيه قال السعدي: «أي: أنزلنا عليهما البركة، التي هي النمو والزيادة في علمهما وعملهما وذريتهما»، وفي ذريتهما: «أي: منهم الصالح والطالح، والعادل والظالم الذي تبين ظلمه، بكفره وشركه».

ووهبه الله لإبراهيم حين اعتزل قومه، بعدما كبر وكانت زوجته عاقرًا، وجعله ويعقوبَ صالحين أئمةً يهدون بأمره. قال السعدي: «ومن صلاحهم، أنه جعلهم أئمة يهدون بأمره، وهذا من أكبر نعم الله على عبده أن يكون إماما يهتدي به المهتدون، ويمشي خلفه السالكون».

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَـٰلِحِينَ 72

وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِ ۖ وَكَانُوا۟ لَنَا عَـٰبِدِينَ 73

سورة الأنبياء

وقال السعدي في هبة إسحاق ويعقوب لإبراهيم لما اعتزل قومه: «فحصل له هبة هؤلاء الصالحين المرسلين إلى الناس، الذين خصهم الله بوحيه، واختارهم لرسالته، واصطفاهم من العالمين»، وفي لسان الصدق الذي جعله الله لهم: «فنشر الله الثناء الحسن الصادق غير الكاذب، العالي غير الخفي، فذكرهم ملأ الخافقين».

فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا 49

وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا 50

سورة مريم

آيات من قصته

وذكره الله في مواضع أخرى من كتابه مع أبيه وابنه، ومنها حمد إبراهيم ربَّه على ما وهب له على الكبر:

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ ۚ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ 39

سورة ابراهيم

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ 84

سورة الأنعام

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ وَءَاتَيْنَـٰهُ أَجْرَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ 27

سورة العنكبوت

وذكر ابن كثير أن يعقوب ولد إسحاق، كما في آية البقرة في وصية يعقوب لبنيه:

أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنۢ بَعْدِى قَالُوا۟ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ إِلَـٰهًا وَٰحِدًا وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ 133

سورة البقرة

من السنة

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عليهم السلام».

رواه البخاري (٣٣٨٢) · الحكم: صحيح

منزلته وفضله

أثنى الله عليه مع أبيه وابنه بالقوة في العبادة والبصيرة في الدين؛ قال السعدي في معنى الأيدي: «أي: القوة على عبادة الله تعالى»، وفي معنى الأبصار: «أي: البصيرة في دين الله. فوصفهم بالعلم النافع، والعمل الصالح الكثير».

وَٱذْكُرْ عِبَـٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَـٰرِ 45

إِنَّآ أَخْلَصْنَـٰهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ 46

وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلْأَخْيَارِ 47

سورة ص

وقال السعدي في إخلاصهم: «جعلنا ذكرى الدار الآخرة في قلوبهم، والعمل لها صفوة وقتهم، والإخلاص والمراقبة لله وصفهم الدائم»، وفي اصطفائهم: «الذين اصطفاهم الله من صفوة خلقه … الذين لهم كل خلق كريم، وعمل مستقيم».

وقال ابن عثيمين في وصفهم بالعبودية في هذه الآية: «والعبادة هنا أخصّ الخاصة، لأنهّا عبودية الرسالة والنبوة».

دروس وعبر

  • مشروعية البشارة بالولد؛ لأن الولد يُسرّ به الإنسان، لا سيما إذا بُشّر بأنه نبي.
  • إثبات نبوّة إسحاق عليه السلام، والثناء عليه بأنه نبي من الصالحين؛ والأنبياء جمعوا بين الصلاح في أنفسهم والإصلاح لأممهم.
  • ينبغي عند البشارة أن يُذكر ما يُرجى من مستقبل ما بُشّر به، لأن الله قرن نبوّة إسحاق بالبشارة به.
  • أن الذي أُمر إبراهيم بذبحه إسماعيل وليس إسحاق، والبشارة بإسحاق بعد قصة الذبح دليل ظاهر على ذلك.
  • أن ذرية إبراهيم وإسحاق فيهم المحسن والظالم؛ وقال السعدي: لعل ذكر ذلك لدفع توهّم أن تمام البركة يقتضي أن تكون الذرية كلهم محسنين.
  • مشروعية السلام، وأنه لم يزل من ملة إبراهيم عليه السلام، وأن السلام قبل الكلام، وأن الرد ينبغي أن يكون أبلغ من الابتداء.
  • ينبغي ذكر أهل الخير بالثناء: لإحياء ذكرهم ليتبين فضلهم ويُدعى لهم، وللاقتداء بهم فيما استحقوا به الثناء.
  • أن الله أخلص إبراهيم وإسحاق ويعقوب بتذكّر الدار الآخرة بحيث لا ينغمسون في ترف الدنيا، ومن أنعم الله عليه بهذه الصفة استحق الثناء واستحق الربُّ عليه الشكر.

المصادر

المصادر

  • القرآن الكريم
  • صحيح البخاري، للإمام البخاري — ط السلطانية (الشاملة ١٦٨١)
  • تفسير القرآن العظيم، لابن كثير — ط ابن الجوزي (الشاملة ١٥٠٣)
  • قصص الأنبياء من البداية والنهاية، لابن كثير — ت عبد الواحد (الشاملة ٩٣٢)
  • تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)، لعبد الرحمن السعدي (الشاملة ٤٢)
  • تفسير العثيمين: الصافات، لمحمد بن صالح العثيمين (الشاملة ١٥١١٥٨)
  • تفسير العثيمين: ص، لمحمد بن صالح العثيمين (الشاملة ١٥١١٥٩)

نص القرآن الكريم بالرسم العثماني من مشروع تنزيل، كما هو دون تغيير: tanzil.net