إسماعيل عليه السلام

الذبيح · جد العرب المستعربة

إسماعيل عليه السلام بكر إبراهيم من هاجر، أسكنه أبوه مع أمه بواد غير ذي زرع عند البيت الحرام، فأنبع الله لهما ماء زمزم. وهو الذبيح الذي صدق مع أبيه في رؤيا الذبح فقال: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، ففداه الله بذبح عظيم. شارك أباه في بناء الكعبة، وأثنى الله عليه بأنه كان صادق الوعد وكان رسولًا نبيًا يأمر أهله بالصلاة والزكاة، ومن ذريته خاتم الأنبياء محمد ﷺ.

المصدر: البداية والنهاية، ابن كثير، ج ١، ص ٤٤٢

نسبه وزمانه وقومه

وَقَدْ كَانَ لِلْخَلِيلِ بَنُونَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَكِنَّ أَشْهَرَهُمُ الْأَخَوَانِ النَّبِيَّانِ الْعَظِيمَانِ الرَّسُولَانِ أَسَنُّهُمَا وَأَجَلُّهُمَا الَّذِي هُوَ الذَّبِيحُ عَلَى الصَّحِيحِ إِسْمَاعِيلُ بِكْرُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ مِنْ هَاجَرَ الْقِبْطِيَّةِ الْمِصْرِيَّةِ.

وكانتْ سارةُ عاقرًا منذُ كانتْ شابةً، فوهبَتْ هذهِ الجاريةَ لإبراهيمَ ليتسرَّرَها؛ لعلَ اللهَ يرزقُهُ منها ولدًا، فأتتْ هاجرُ بإسماعيلَ على كبرِ إبراهيمَ، ففرِحَ بهِ فرحًا شديدًا.

وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ 99

رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ 100

فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ 101

سورة الصافات

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ ۚ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ 39

سورة ابراهيم

وهو النبي الذي قال فيه السعدي: هذا النبي العظيم، الذي خرج منه الشعب العربي، أفضل الشعوب وأجلها، الذي منهم سيد ولد آدم.

بعثته ودعوته

وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِسْمَـٰعِيلَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا 54

وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّا 55

سورة مريم

أي: لا يعد وعدا إلا وفى به. وهذا شامل للوعد الذي يعقده مع الله أو مع العباد، ولهذا لما وعد من نفسه الصبر على ذبح أبيه له … وفى بذلك ومكن أباه من الذبح، الذي هو أكبر مصيبة تصيب الإنسان، ثم وصفه بالرسالة والنبوة، التي هي أكبر منن الله على عبده.

وفي أمره أهله بالصلاة والزكاة: أي: كان مقيما لأمر الله على أهله، فيأمرهم بالصلاة المتضمنة للإخلاص للمعبود، وبالزكاة المتضمنة للإحسان إلى العبيد، فكمل نفسه، وكمل غيره، وخصوصا أخص الناس عنده وهم أهله، لأنهم أحق بدعوته من غيرهم.

بواد غير ذي زرع

فذهَبَ بها وبابنِها إسماعيلَ إلى مكةَ، وهيَ في ذلكَ الوقتِ ليسَ فيها ساكنٌ ولا مسكنٌ ولا ماءٌ ولا زرعٌ ولا غيرهُ.

قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: … ثُمَّ جاءَ بِها إِبْراهِيمُ وَبابنِها إِسْماعِيلَ وَهْيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهُما عِنْدَ الْبَيْتِ، عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِها ماءٌ، فَوَضَعَهُما هُنالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُما جِرابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقاءً فِيهِ ماءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْراهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْماعِيلَ، فَقالَتْ: يا إِبْراهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنا بِهَذا الْوادِي، الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلا شَيْءٌ؟! فَقالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرارًا، وَجَعَلَ لا يَلْتَفِتُ إِلَيْها، فَقالَتْ لَهُ: آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذا؟ قالَ: نَعَمْ. قالَتْ: إِذَنْ لا يُضَيِّعَنا. ثُمَّ رَجَعَتْ، فانْطَلَقَ إِبْراهِيمُ حَتَّى إِذا كانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لا يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ، ثُمَّ دَعا بِهَؤُلاءِ الْكَلِماتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ …

رواه البخاري (٣٣٦٤) عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا، وفيه مرفوع · الحكم: صحيح

رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ 37

سورة ابراهيم

قال ابن كثير في إسكانه ولده وأمه هناك: … فَامْتَثَلَ أَمْرَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ، وَتَرَكَهُمَا هُنَاكَ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمَا فَرَجًا وَمَخْرَجًا.

زمزم والسعي بين الصفا والمروة

وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْماعِيلَ تُرْضِعُ إِسْماعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْماءِ، حَتَّى إِذا نَفِدَ ما فِي السِّقاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُها، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى -أَوْ قالَ: يَتَلَبَّطُ- فانْطَلَقَتْ كَراهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيها، فَقامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفا حَتَّى إِذا بَلَغَتِ الْوادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِها، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جاوَزَتِ الْوادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ فَقامَتْ عَلَيْها وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ -قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُما»- فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقالَتْ: صَه -تُرِيدَ نَفْسَها- ثُمَّ تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ، إِنْ كانَ عِنْدَكَ غِواثٌ، فَإِذا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ -أَوْ قالَ: بِجَناحِهِ- حَتَّى ظَهَرَ الْماءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِها هَكَذا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الْماءِ فِي سِقائِها، وَهوَ يَفُورُ بَعْدَما تَغْرِفُ، قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْماعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ -أَوْ قالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْماءِ- لَكانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا». قالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَها، فَقالَ لَها الْمَلَكُ: لا تَخافُوا الضَّيْعَةَ، فَإِنَّ هاهُنا بَيْتَ اللَّهِ، يَبْنِي هَذا الْغُلامُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَهْلَهُ.

رواه البخاري (٣٣٦٤) عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا، وفيه مرفوع · الحكم: صحيح

ثم جعلَتْ تترددُ في ذلكَ الموضعِ وهيَ مكروبةٌ مضطرةٌ مستغيثةٌ باللهِ لها ولابنِها، وهيَ تمشي وتلتفتُ إليهِ خشيةَ السباعِ عليهِ، فإذا هبطَتِ الواديَ سعَتْ حتى تصعدَ من جانبهِ الآخرِ؛ لئلا يخفَى على بصرِها ابنُها.

نشأته في جرهم وزواجه

… حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمَ -أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمَ- مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَداءٍ، فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ … وَأُمُّ إِسْماعِيلَ عِنْدَ الْماءِ، فَقالُوا: أَتَأْذَنِينَ لَنا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ فَقالَتْ: نَعَمْ، وَلَكِنْ لا حَقَّ لَكُمْ فِي الْماءِ. قالُوا: نَعَمْ. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْماعِيلَ وَهْيَ تُحِبُّ الإِنْسَ». فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتَّى إِذا كانَ بِها أَهْلُ أَبْياتٍ مِنْهُمْ، وَشَبَّ الْغُلامُ وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ، وَماتَتْ أُمُّ إِسْماعِيلَ …

رواه البخاري (٣٣٦٤) عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا، وفيه مرفوع · الحكم: صحيح

وشبَّ إسماعيلُ شبابًا حسنًا، وأعجبَ القبيلةَ بأخلاقهِ وعلوِ همتهِ وكمالهِ، فلما بلغَ تزوَّجَ منهم امرأةً.

… فَجاءَ إِبْراهِيمُ بَعْدَ ما تَزَوَّجَ إِسْماعِيلُ يُطالِعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْماعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنا. ثُمَّ سَأَلَها عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ؛ نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ. فَشَكَتْ إِلَيْهِ، قالَ: فَإِذا جاءَ زَوْجُكِ فاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ، وَقُولِي لَهُ يُغَيِّر عَتَبَةَ بابِهِ … قالَ: ذاكِ أَبِي، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفارِقَكِ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ. فَطَلَّقَها، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْراهِيمُ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَتاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَها عَنْه. فَقالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنا، قالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَها عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ … قالَ: فَإِذا جاءَ زَوْجُكِ فاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ، وَمُرِيهِ يُثَبِّتْ عَتَبَةَ بابِهِ … قالَ: ذاكِ أَبِي وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ.

رواه البخاري (٣٣٦٤) عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا، وفيه مرفوع · الحكم: صحيح

بناء البيت مع أبيه

… ثُمَّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِسْماعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قامَ إِلَيْهِ، فَصَنَعا كَما يَصْنَعُ الْوالِدُ بِالْوَلَدِ والْوَلَدُ بِالْوالِدِ، ثُمَّ قالَ: يا إِسْماعِيلُ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ. قالَ: فاصْنَعْ ما أَمَرَكَ رَبُّكَ. قالَ: وَتُعِينُنِي؟ قالَ: وَأُعِينُكَ. قالَ: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هاهُنا بَيْتًا، وَأَشارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى ما حَوْلَها، قالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعا الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْماعِيلُ يَأتِي بِالْحِجارَةِ وَإِبْراهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذا ارْتَفَعَ الْبِناءُ، جاءَ بِهَذا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقامَ عَلَيْهِ، وَهْوَ يَبْنِي وَإِسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الْحِجارَةَ …

رواه البخاري (٣٣٦٤) عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا، وفيه مرفوع · الحكم: صحيح

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِـۧمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ 127

رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ 128

رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ 129

سورة البقرة

وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـۧمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَـٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ 125

سورة البقرة

الذبيح

وفي هذا الأثناءِ، حينَ تمكَّنَ حبُّ إسماعيلَ من قلبهِ، وأرادَ اللهُ أنْ يمتحنَ إبراهيمَ لتقديمِ محبةِ ربهِ وخلَّتهِ التي لا تقبلُ المشاركةَ والمزاحمةَ؛ فأمرَهُ في المنامِ أنْ يذبحَ إسماعيلَ، ورؤيا الأنبياءِ وحيٌ من اللهِ.

ثُمَّ عَرَضَ ذَلِكَ عَلَى وَلَدِهِ؛ لِيَكُونَ أَطْيَبَ لِقَلْبِهِ وَأَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَأْخُذَهُ قَسْرًا وَيَذْبَحَهُ قَهْرًا.

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ 102

سورة الصافات

وَهَذَا الْجَوَابُ فِي غَايَةِ السَّدَادِ وَالطَّاعَةِ لِلْوَالِدِ وَلِرَبِّ الْعِبَادِ.

فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ 103

وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ 104

قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ 105

إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلَـٰٓؤُا۟ ٱلْمُبِينُ 106

وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ 107

سورة الصافات

ومعنى إسلامهما: أي: خضعَا لأمرِ اللهِ، وانقادَا لأمرهِ، ووطَّنَا أنفسَهما على هذا الأمرِ المزعجِ الذي لا تكادُ النفوسُ تصبرُ على عُشرِ معشارهِ … وحصلَتِ المقدماتُ والجزمُ المصممُ، وتمَّ لهما الأجرُ والثوابُ، وحصَلَ لهما الشرفُ والقربُ والزلفَى من اللهِ.

وفي تصديق إبراهيم الرؤيا قال ابن كثير: أَيْ قَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنِ اخْتِبَارِكَ وَطَاعَتِكَ وَمُبَادَرَتِكَ إِلَى أَمْرِ رَبِّكَ وَبَذْلِكَ وَلَدَكَ لِلْقُرْبَانِ، كَمَا سَمَحْتَ بِبَدَنِكَ لِلنِّيرَانِ، وَكَمَا مَالُكَ مَبْذُولٌ لِلضِّيفَانِ.

وأما ما يُروى في صفة الفداء من الآثار فقال ابن كثير: ثُمَّ غَالِبُ مَا هَاهُنَا مِنَ الْآثَارِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَفِي الْقُرْآنِ كِفَايَةٌ عَمَّا جَرَى مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ وَالِاخْتِبَارِ الْبَاهِرِ.

وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ 108

سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ 109

كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ 110

إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ 111

وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ 112

وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰٓ إِسْحَـٰقَ ۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌ 113

سورة الصافات

الذبيح إسماعيل على الصحيح

اختلف أهل العلم في الذبيح: أهو إسماعيل أم إسحاق؟ ورجّح ابن كثير أنه إسماعيل، فقال: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْقُرْآنِ، بَلْ كَأَنَّهُ نَصٌّ عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ هُوَ إِسْمَاعِيلُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ قِصَّةَ الذَّبِيحِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ …

وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ 112

سورة الصافات

وَقَدْ قَالَ بِأَنَّهُ إِسْحَاقُ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وَغَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا أَخَذُوهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَوْ صُحُفِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَنِ الْمَعْصُومِ حَتَّى نَتْرُكَ لِأَجْلِهِ ظَاهِرَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ.

وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ 71

سورة هود

وَمَا أَحْسَنَ مَا اسْتَدَلَّ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ عَلَى أَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ، وَلَيْسَ بِإِسْحَاقَ مِنْ قَوْلِهِ: … قَالَ: فَكَيْفَ تَقَعُ الْبِشَارَةُ بِإِسْحَاقَ وَأَنَّهُ سَيُولَدُ لَهُ يَعْقُوبُ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِذَبْحِ إِسْحَاقَ وَهُوَ صَغِيرٌ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ لَهُ؟ هَذَا لَا يَكُونُ؛ لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ الْبِشَارَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِيهِ هُوَ إِسْمَاعِيلُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَأَلْتُ أَبِي عَنِ الذَّبِيحِ فَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ عليه السلام.

آيات من قصته

أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنۢ بَعْدِى قَالُوا۟ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ إِلَـٰهًا وَٰحِدًا وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ 133

سورة البقرة

قُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِىَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ 136

سورة البقرة

۞ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَـٰرُونَ وَسُلَيْمَـٰنَ ۚ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا 163

سورة النساء

وَإِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ 86

سورة الأنعام

وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ 85

وَأَدْخَلْنَـٰهُمْ فِى رَحْمَتِنَآ ۖ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ 86

سورة الأنبياء

وَٱذْكُرْ إِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلْأَخْيَارِ 48

سورة ص

من السنة

عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رضي الله عنه قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ارْمُوا بَنِي إِسْماعِيلَ، فَإِنَّ أَباكُمْ كانَ رامِيًا، وَأَنا مَعَ بَنِي فُلانٍ» …

رواه البخاري (٣٣٧٣) · الحكم: صحيح

عن وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ. وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ. وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ. وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ».

رواه مسلم (٢٢٧٦) · الحكم: صحيح

منزلته وفضله

وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَوَصَفَهُ بِالْحِلْمِ وَالصَّبْرِ وَصِدْقِ الْوَعْدِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْأَمْرِ بِهَا لِأَهْلِهِ لِيَقِيَهُمُ الْعَذَابَ، مَعَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّ الْأَرْبَابِ … فَطَاوَعَ أَبَاهُ عَلَى مَا إِلَيْهِ دَعَاهُ وَوَعَدَهُ بِأَنْ سَيَصْبِرُ، فَوَفَّى بِذَلِكَ وَصَبَرَ.

فَذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ صِفَةٍ جَمِيلَةٍ، وَجَعَلَهُ نَبِيَّهُ وَرَسُولَهُ، وَبَرَّأَهُ مِنْ كُلِّ مَا نَسَبَ إِلَيْهِ الْجَاهِلُونَ، وَأَمَرَ بِأَنْ يُؤْمِنَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ عِبَادُهُ الْمُؤْمِنُونَ.

وفي رضا ربه عنه قال السعدي: وذلك بسبب امتثاله لمراضي ربه واجتهاده فيما يرضيه، ارتضاه الله وجعله من خواص عباده وأوليائه المقربين، فرضي الله عنه، ورضي هو عن ربه.

دروس وعبر

  • أن من عزم على فعل الطاعة وبذل مقدوره في أسبابها ثم حصل مانع يمنع من إكمالها، فقد وجب أجره على الله، كما في قصة الذبح: أتم الله الأجر لإبراهيم وإسماعيل حين أسلما لله وأذعنا لأمره، ثم رفع عنهما المشقة.
  • أن صدق الوعد شامل للوعد الذي يعقده العبد مع الله ومع العباد؛ وقد وعد إسماعيل من نفسه الصبر على الذبح فوفى بذلك.
  • أن على الداعية أن يقيم أمر الله على أهله، فيكمّل نفسه ويكمّل غيره، وأخص الناس به أهله، فهم أحق بدعوته من غيرهم.
  • أن العامل عليه أن يتقن عمله ويجتهد في إيقاعه على أكمل الوجوه، ثم يكون بين الخوف والرجاء، ويتضرع إلى ربه في قبوله، كما كان إبراهيم وإسماعيل يرفعان القواعد من البيت ويسألان الله القبول.
  • أن الجمع بين الدعاء بمصالح الدنيا والدين من سبيل الأنبياء، والدين هو الأصل والمقصود، والدنيا وسيلة ومعونة عليه.
  • أن المشاعر ومواضع النسك فيها تذكير بمقامات الخليل وأهل بيته في عبادة ربهم، وحثٌّ على الاقتداء بهم.
  • أن من نعمة الله على العبد هبة الأولاد الصالحين، وعليه أن يحمد الله على ذلك ويدعو لذريته.
  • أن من امتثل أمر الله ثقة به وتوكلًا عليه جعل الله له فرجًا ومخرجًا، كما ترك إبراهيم ولده وأمه بوادٍ قفر.

المصادر

المصادر

  • البداية والنهاية، لابن كثير (ت ٧٧٤هـ)، تحقيق التركي — الشاملة ٤٤٤٥
  • تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، لعبد الرحمن السعدي، ت المزيد — الشاملة ١٤٦١
  • تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي) — الشاملة ٤٢
  • صحيح البخاري، ن عطاءات العلم — الشاملة ١٣٧٦
  • صحيح مسلم، ت محمد فؤاد عبد الباقي — الشاملة ١٧٢٧

نص القرآن الكريم بالرسم العثماني من مشروع تنزيل، كما هو دون تغيير: tanzil.net