إسماعيل عليه السلام بكر إبراهيم من هاجر، أسكنه أبوه مع أمه بواد غير ذي زرع عند البيت الحرام، فأنبع الله لهما ماء زمزم. وهو الذبيح الذي صدق مع أبيه في رؤيا الذبح فقال: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، ففداه الله بذبح عظيم. شارك أباه في بناء الكعبة، وأثنى الله عليه بأنه كان صادق الوعد وكان رسولًا نبيًا يأمر أهله بالصلاة والزكاة، ومن ذريته خاتم الأنبياء محمد ﷺ.
أي: لا يعد وعدا إلا وفى به. وهذا شامل للوعد الذي يعقده مع الله أو مع العباد، ولهذا لما وعد من نفسه الصبر على ذبح أبيه له … وفى بذلك ومكن أباه من الذبح، الذي هو أكبر مصيبة تصيب الإنسان، ثم وصفه بالرسالة والنبوة، التي هي أكبر منن الله على عبده.
وفي أمره أهله بالصلاة والزكاة: أي: كان مقيما لأمر الله على أهله، فيأمرهم بالصلاة المتضمنة للإخلاص للمعبود، وبالزكاة المتضمنة للإحسان إلى العبيد، فكمل نفسه، وكمل غيره، وخصوصا أخص الناس عنده وهم أهله، لأنهم أحق بدعوته من غيرهم.
بواد غير ذي زرع
فذهَبَ بها وبابنِها إسماعيلَ إلى مكةَ، وهيَ في ذلكَ الوقتِ ليسَ فيها ساكنٌ ولا مسكنٌ ولا ماءٌ ولا زرعٌ ولا غيرهُ.
ثم جعلَتْ تترددُ في ذلكَ الموضعِ وهيَ مكروبةٌ مضطرةٌ مستغيثةٌ باللهِ لها ولابنِها، وهيَ تمشي وتلتفتُ إليهِ خشيةَ السباعِ عليهِ، فإذا هبطَتِ الواديَ سعَتْ حتى تصعدَ من جانبهِ الآخرِ؛ لئلا يخفَى على بصرِها ابنُها.
وفي هذا الأثناءِ، حينَ تمكَّنَ حبُّ إسماعيلَ من قلبهِ، وأرادَ اللهُ أنْ يمتحنَ إبراهيمَ لتقديمِ محبةِ ربهِ وخلَّتهِ التي لا تقبلُ المشاركةَ والمزاحمةَ؛ فأمرَهُ في المنامِ أنْ يذبحَ إسماعيلَ، ورؤيا الأنبياءِ وحيٌ من اللهِ.
ومعنى إسلامهما: أي: خضعَا لأمرِ اللهِ، وانقادَا لأمرهِ، ووطَّنَا أنفسَهما على هذا الأمرِ المزعجِ الذي لا تكادُ النفوسُ تصبرُ على عُشرِ معشارهِ … وحصلَتِ المقدماتُ والجزمُ المصممُ، وتمَّ لهما الأجرُ والثوابُ، وحصَلَ لهما الشرفُ والقربُ والزلفَى من اللهِ.
وفي تصديق إبراهيم الرؤيا قال ابن كثير: أَيْ قَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنِ اخْتِبَارِكَ وَطَاعَتِكَ وَمُبَادَرَتِكَ إِلَى أَمْرِ رَبِّكَ وَبَذْلِكَ وَلَدَكَ لِلْقُرْبَانِ، كَمَا سَمَحْتَ بِبَدَنِكَ لِلنِّيرَانِ، وَكَمَا مَالُكَ مَبْذُولٌ لِلضِّيفَانِ.
وأما ما يُروى في صفة الفداء من الآثار فقال ابن كثير: ثُمَّ غَالِبُ مَا هَاهُنَا مِنَ الْآثَارِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَفِي الْقُرْآنِ كِفَايَةٌ عَمَّا جَرَى مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ وَالِاخْتِبَارِ الْبَاهِرِ.
اختلف أهل العلم في الذبيح: أهو إسماعيل أم إسحاق؟ ورجّح ابن كثير أنه إسماعيل، فقال: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْقُرْآنِ، بَلْ كَأَنَّهُ نَصٌّ عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ هُوَ إِسْمَاعِيلُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ قِصَّةَ الذَّبِيحِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ …
وفي رضا ربه عنه قال السعدي: وذلك بسبب امتثاله لمراضي ربه واجتهاده فيما يرضيه، ارتضاه الله وجعله من خواص عباده وأوليائه المقربين، فرضي الله عنه، ورضي هو عن ربه.
دروس وعبر
أن من عزم على فعل الطاعة وبذل مقدوره في أسبابها ثم حصل مانع يمنع من إكمالها، فقد وجب أجره على الله، كما في قصة الذبح: أتم الله الأجر لإبراهيم وإسماعيل حين أسلما لله وأذعنا لأمره، ثم رفع عنهما المشقة.
أن صدق الوعد شامل للوعد الذي يعقده العبد مع الله ومع العباد؛ وقد وعد إسماعيل من نفسه الصبر على الذبح فوفى بذلك.
أن على الداعية أن يقيم أمر الله على أهله، فيكمّل نفسه ويكمّل غيره، وأخص الناس به أهله، فهم أحق بدعوته من غيرهم.
أن العامل عليه أن يتقن عمله ويجتهد في إيقاعه على أكمل الوجوه، ثم يكون بين الخوف والرجاء، ويتضرع إلى ربه في قبوله، كما كان إبراهيم وإسماعيل يرفعان القواعد من البيت ويسألان الله القبول.
أن الجمع بين الدعاء بمصالح الدنيا والدين من سبيل الأنبياء، والدين هو الأصل والمقصود، والدنيا وسيلة ومعونة عليه.
أن المشاعر ومواضع النسك فيها تذكير بمقامات الخليل وأهل بيته في عبادة ربهم، وحثٌّ على الاقتداء بهم.
أن من نعمة الله على العبد هبة الأولاد الصالحين، وعليه أن يحمد الله على ذلك ويدعو لذريته.
أن من امتثل أمر الله ثقة به وتوكلًا عليه جعل الله له فرجًا ومخرجًا، كما ترك إبراهيم ولده وأمه بوادٍ قفر.
المصادر
المصادر
البداية والنهاية، لابن كثير (ت ٧٧٤هـ)، تحقيق التركي — الشاملة ٤٤٤٥
تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، لعبد الرحمن السعدي، ت المزيد — الشاملة ١٤٦١
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي) — الشاملة ٤٢
صحيح البخاري، ن عطاءات العلم — الشاملة ١٣٧٦
صحيح مسلم، ت محمد فؤاد عبد الباقي — الشاملة ١٧٢٧
نص القرآن الكريم بالرسم العثماني من مشروع تنزيل، كما هو دون تغيير: tanzil.net