صالح عليه السلام بعثه الله إلى قوم ثمود الذين نحتوا الجبال بيوتًا، فدعاهم إلى التوحيد، فطلبوا منه آية فجعل الله لهم الناقة آية، لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، ونهاهم أن يمسوها بسوء. فعقروا الناقة عتوًا عن أمر ربهم، فأمهلهم صالح ثلاثة أيام، ثم أخذتهم الصيحة والرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، ونجى الله صالحًا والذين آمنوا معه.
المصدر: البداية والنهاية، ابن كثير، ج ١، ص ٣٠٤
نسبه وزمانه وقومه
صالح عليه السلام نبيّ ثمود، قال ابن كثير: «وهم قَبيلَة مَشْهُورَة … وَكَانُوا عَرَبًا مِنَ الْعَارِبَةِ يَسْكُنُونَ الْحِجْرَ الَّذِي بَيْنَ الْحِجَازِ وَتَبُوكَ. وَقَدْ مَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى تَبُوك بِمن مَعَه من الْمُسلمين. وَكَانُوا بَعْدَ قَوْمِ عَادٍ، وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ كَأُولَئِكَ».
وقال الشيخ ابن عثيمين: «ثمود اسم قبيلة ونبيهم صالح عليه الصلاة والسلام، وديارهم في الحجر معروفة في طريق الناس».
قال السعدي: «كانتْ ثمودُ … يسكنونَ في الحِجْرِ وما حولَها، وكانوا أهلَ مواشٍ كثيرةٍ، وأهلَ حروثٍ وزروعٍ، وتواصلَتْ عليهم النعمُ، فكانوا يتخذونَ من السهولِ قصورًا مزخرفةً، ومن الجبالِ بيوتًا منحوتةً متقنةً، فبطرُوا النعمَ وكفروها، وعبدُوا غيرَ اللهِ».
بعثته ودعوته
قال السعدي: «فأرسلَ اللهُ إليهم … من قبيلتِهم، يعرفونَ نسبَهُ وحسبَهُ، وفضلَهُ وكمالَهُ، وصدقَهُ وأمانتَهُ، فدعاهم إلى اللهِ وإلى إخلاصِ الدينِ لهُ، وتركِ ما كانوا يعبدونَ من دونهِ، وذكَّرَهم بنعمِ اللهِ، وبأيامهِ بالأممِ المجاورةِ لهم، فلم يتبعْهُ إلا القليلُ».
قال ابن كثير في تذكيره لهم باستخلافهم بعد عاد: إنما كان ذلك ليعتبروا بما كان من أمرهم ويعملوا بخلاف عملهم، ثم قال: «فَقَابِلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ بِالشُّكْرِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالْعِبَادَةِ لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِيَّاكُمْ وَمُخَالَفَتَهُ وَالْعُدُولَ عَنْ طَاعَتِهِ، فَإِنَّ عَاقِبَةَ ذَلِكَ وَخِيمَةٌ».
قال السعدي في قولهم إنه كان فيهم مرجوًّا قبل ذلك: «أي: قدْ كنَّا قدْ تخايَلْنا فيكَ أنْ تفضلَنا جميعًا؛ لكمالِكَ وكمالِ أخلاقِكَ، وآدابِكَ الطيبةِ. وهذا اعترافٌ منهم لهُ بهذهِ الأمورِ قبلَ أنْ يقولَ ما قالَ، فما نزَّلَهُ عن هذهِ المرتبةِ عندَهم إلا أنهُ دعاهم إلى عبادةِ الخالقِ من عبادةِ العبيدِ، وإلى السعادةِ الأبديةِ! وما ذنبُهُ إلا أنهُ خالفَ آباءَهم الضالينَ، وهم كانوا أضلَّ منهم!».
وقال ابن كثير في جوابه لهم: «وَهَذَا تَلَطُّفٌ مِنْهُ لَهُمْ فِي الْعِبَارَةِ وَلِينِ الْجَانِبِ، وَحُسْنُ تَأَتٍّ فِي الدَّعْوَةِ لَهُمْ إِلَى الْخَيْر … فَأَنَا لَا أَزَالُ أَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ».
قال ابن كثير في إضافة الناقة إلى الله: «أَضَافَهَا لِلَّهِ سبحانه وتعالى إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ وَتَعْظِيمٍ، كَقَوْلِهِ بَيْتُ اللَّهِ وَعَبْدُ اللَّهِ»، وقال: «فَاتَّفَقَ الْحَالُ عَلَى أَنْ تَبْقَى هَذِهِ النَّاقَةُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، تَرْعَى حَيْثُ شَاءَتْ مِنْ أَرْضِهِمْ، وَتَرِدُ الْمَاءَ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ».
وقال الشيخ ابن عثيمين: «وأعطاه الله سبحانه آية تدل على نبوته وهي الناقة العظيمة التي تشرب من البئر يوماً وتسقيهم لبناً في اليوم الثاني»، وقال: «فالناقة تشرب من البئر يوماً، ثم تدر اللبن في اليوم الثاني».
وقال في معنى ظلمهم بها: «أَيْ جَحَدُوا بِهَا وَلَمْ يَتَّبِعُوا الْحَقَّ بِسَبَبِهَا، أَيْ أَكْثَرُهُمْ».
عقر الناقة
وكان في مدينتهم نفرٌ تسعة من المفسدين، قال السعدي: «قدْ قاوَمُوا ما جاءَ بهِ صالحٌ أشدَّ المقاومةِ … وكان صالحٌ قدْ حذَّرَهم من عقرِ الناقةِ لما رأى من كبرِهم وردِّهم الحقَّ، فأولُ ما فعلَ أولئكَ الملأُ الأشرارُ أنْ عقدُوا مجلسًا عامًّا ليتفقُوا على عقرِ الناقةِ، فاتفقُوا، فانتُدِبَ لذلكَ أشقى القبيلةِ … بعدَ اتفاقِهم وندبِهم إياهُ بعثوهُ لذلكَ، فانبعَثَ واستعدَّ وتكفَّلَ لهم بعقرِها، وهم جميعُهم راضونَ بلْ آمرونَ، فعقَرَها فكان هذا العقرُ مؤذنًا بهلاكِ القبيلةِ بأسرِها».
قال السعدي: «فلما شعرَ صالحٌ بالأمرِ، ورأى منظرًا فظيعًا؛ عَلِمَ أنَّ العذابَ قدْ تحتمَ لا محالةَ؛ لأنَّ الجريمةَ قدْ تفاقمَتْ، ولم يبقَ حالةٌ يُرجَى فيها لهم تقويمٌ»، فأنذرهم ثلاثة أيام، «ونبَّهَ بهذا الكلامِ دانِيَهم وقاصِيَهم».
قال ابن كثير: «إِخْبَار عَن صَالح عليه السلام، أَنَّهُ خَاطَبَ قَوْمَهُ بَعْدَ هَلَاكِهِمْ، وَقَدْ أَخَذَ فِي الذَّهَابِ عَنْ مَحِلَّتِهِمْ إِلَى غَيْرِهَا»، وقال في معنى قوله: «أَيْ جَهَدْتُ فِي هِدَايَتِكُمْ بِكُلِّ مَا أَمْكَنَنِي، وَحَرَصْتُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِي وَفِعْلِي وَنِيَّتِي … وَالَّذِي وَجَبَ عَلَيَّ مِنْ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ وَالنُّصْحِ لَكُمْ قَدْ فَعَلْتُهُ وَبَذَلْتُهُ لَكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ».
وقال الشيخ ابن عثيمين في إهلاك الله لهم وأنه لا يخاف عقباها: «يعني: أن الله لا يخاف من عاقبة هؤلاء الذين عذبهم، ولا يخاف من تبعتهم، لأن له الملك وبيده كل شيء، بخلاف غيره من الملوك لو انتصروا على غيرهم، أو عاقبوا غيرهم تجدهم في خوف يخشون أن تكون الكرة عليهم».
آيات من قصته
قال ابن كثير: «وَكَثِيرًا مَا يَقْرِنُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بَيْنَ ذِكْرِ عَادٍ وَثَمُودَ».
أرسله الله إلى قومه أخًا منهم، معروفًا عندهم بالصدق والأمانة وكمال الخلق قبل بعثته، حتى اعترفوا له بذلك كما تقدّم من كلام السعدي، ونجّاه الله ومن آمن معه برحمته. قال الشيخ ابن عثيمين: «ونبيهم صالح عليه الصلاة والسلام كغيره من الأنبياء يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له».
أنَّ عقوباتِ اللهِ للأممِ الطاغيةِ تتحتّم عندَ تناهِي طغيانِها وتفاقمِ جرائمِها؛ لأنَّ اللهَ تعالى بالمرصادِ، فيمهِلُ ثم يمهِلُ، ثم يأخذهم.
أنَّ العقائدَ الباطلةَ الراسخةَ المأخوذةَ عمن يُحسَنُ بهم الظنُّ من آباءٍ أو غيرِهم؛ من أكبرِ الموانعِ لقبولِ الحقِّ، وهذا سبيلٌ لا يزالُ معمورًا بالسالكينَ من أهلِ الباطلِ.
المصادر
المصادر
قصص الأنبياء من البداية والنهاية، لابن كثير — ت عبد الواحد (الشاملة ٩٣٢)
تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، لعبد الرحمن السعدي — ت المزيد (الشاملة ١٤٦١)
تفسير العثيمين: جزء عم، لمحمد بن صالح العثيمين (الشاملة ١٥١١٦٨)
صحيح البخاري — ط السلطانية (الشاملة ١٦٨١)
صحيح مسلم — ت محمد فؤاد عبد الباقي (الشاملة ١٧٢٧)
نص القرآن الكريم بالرسم العثماني من مشروع تنزيل، كما هو دون تغيير: tanzil.net