هود عليه السلام أرسله الله إلى قوم عاد الذين سكنوا الأحقاف، وكانوا أهل قوة وبطش وبنيان عظيم، فعبدوا الأصنام وتكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا: من أشد منا قوة؟ فدعاهم هود إلى عبادة الله وحده وشكر نعمه، فكذبوه واستكبروا، فأهلكهم الله بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسومًا، ونجى هودًا والذين آمنوا معه برحمة منه.
المصدر: البداية والنهاية، ابن كثير، ج ١، ص ٢٨٢
نسبه وزمانه وقومه
هود عليه السلام رسولٌ أرسله الله إلى قومه عاد، وكان منهم. قال ابن كثير: «وَالْمَقْصُود أَن عادا كَانُوا جُفَاةً كَافِرِينَ، عُتَاةً مُتَمَرِّدِينَ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ فِيهِمْ رَجُلًا مِنْهُمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى إِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ وَالْإِخْلَاصِ لَهُ، فَكَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ وَتَنَقَّصُوهُ».
واستدلّ ابن كثير على أنهم أول من عبد الأصنام بعد الطوفان بتذكير هود لهم أن الله استخلفهم في الأرض بعد هلاك قوم نوح، ثم قال في زيادتهم في الخلق بسطة: «أَيْ جَعَلَهُمْ أَشَدَّ أَهْلِ زَمَانِهِمْ فِي الْخِلْقَةِ وَالشِّدَّةِ وَالْبَطْشِ».
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ 6
إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ 7
ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ 8
سورة الفجر
وقال ابن كثير في «إرم ذات العماد»: «فَعَادُ إِرَمَ هُمْ عَادٌ الْأُولَى الَّذِينَ كَانُوا يَسْكُنُونَ الْأَعْمِدَةَ الَّتِي تَحْمِلُ الْخِيَامَ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ إِرَمَ مَدِينَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَهِيَ تنْتَقل فِي الْبِلَاد، فقد غلط وَأَخْطَأ، وَقَالَ ما لا دَلِيل عَلَيْهِ».
بعثته ودعوته
قال السعدي: «بعثَ اللهُ هودًا عليه الصلاة والسلام إلى قومهِ … لما كثُرَ شرُّهم، وتجبرُوا على عبادِ اللهِ … معَ شركِهم باللهِ وتكذيبِهم لرسلِ اللهِ، فأرسلَهُ اللهُ إليهم يدعُوهم إلى عبادةِ اللهِ وحدَهُ، وينهاهم عن الشركِ والتجبرِ على العبادِ، ويدعُوهم بكلِّ وسيلةٍ، ويذكِّرُهم ما أنعمَ اللهُ عليهم بهِ من خيرِ الدنيا والبسطةِ في الرزقِ والقوةِ».
قال ابن كثير: «فَلَمَّا أَمَرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَرَغَّبَهُمْ فِي طَاعَتِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ، وَوَعَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ ذَلِكَ عُقُوبَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» رموه بالسفاهة والكذب، فنفى ذلك عن نفسه وأخبرهم أنه رسول من الله يبلّغهم وينصح لهم.
وقال على لسان هود في معنى دعوته لهم بلا أجر: «وَهَا أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ وَلَا أَسْأَلُكُمْ أَجْرًا عَلَيْهِ، بَلْ أَبْتَغِي ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ مَالِكُ الضُّرِّ وَالنَّفْعِ».
وأنكر عليهم هود ما كانوا يبنونه للعبث والفخر؛ قال ابن كثير: كانوا يبنون بكل مكان مرتفع بناءً عظيمًا هائلًا كالقصور ونحوها، يعبثون ببنائها إذ لا حاجة لهم فيه، ويتخذون المصانع —قيل: هي القصور— رجاءَ أن يعمَّروا في هذه الدار أعمارًا طويلة.
وقال في وصف الريح بالعقيم: «أَيِ الَّتِي لَا تُنْتِجُ خَيْرًا، فَإِنَّ الرِّيحَ المفردة لَا تثير سَحَابًا وَلَا تُلَقِّحُ شَجَرًا، بَلْ هِيَ عَقِيمٌ لَا نَتِيجَةَ خَيْرٍ لَهَا».
قال السعدي: «فبعدَما كانتِ الدنيا لهم ضاحكةً، والعزُّ بليغٌ، ومطالبُ الحياةِ متوفرةٌ، وقدْ خضَعَ لهم مَنْ حولَهم مِنْ الأقطارِ والقبائلِ» أرسل الله عليهم الريح، «ونجَّى اللهُ هودًا ومَن معَهُ من المؤمنينَ».
وقال: في ذلك آية «على كمالِ قدرةِ اللهِ، وإكرامهِ الرسلَ وأتباعَهم، ونصرِهم في الحياةِ الدنيا … وآيةً على إبطالِ الشركِ، وأنَّ عواقبَهُ شرُّ العواقبِ وأشنعُها، وآيةً على البعثِ والنشورِ».
آيات من قصته
ومن الآيات التي رجّح ابن كثير أنها في قوم هود قوله تعالى في سورة المؤمنون؛ قال: «وَهُمْ قَوْمُ هُودٍ عَلَى الصَّحِيحِ. وَزَعَمَ آخَرُونَ أَنَّهُمْ ثَمُودُ».
وصفه الله في كتابه بأخي عاد، وذكر أمانته ونصحه لقومه، وأنه أنجاه ومن آمن معه برحمته. قال السعدي: «فإنهُ ما من نبيٍّ إلا أعطاهُ اللهُ من الآياتِ ما على مثلهِ يؤمِنُ البشرُ، ولوْ لم يكنْ من آياتِ الرسلِ إلا أنَّ نفسَ الدِّينِ الذي جاؤوا بهِ أكبرُ دليلٍ أنهُ من عندِ اللهِ؛ لإحكامهِ، وانتظامهِ للمصالحِ في كلِّ زمانٍ بحسبهِ، وصدقِ أخبارهِ، وأمرهِ بكلِّ خيرٍ، ونهيهِ عن كلِّ شرٍّ، وأنَّ كلَّ رسولٍ يصدِّقُ مَنْ قبلَهُ ويشهَدُ لهُ، ويصدِّقُهُ مَنْ بعدَهُ ويشهَدُ لهُ».
وقال ابن كثير بعد ذكر تحدّيه لقومه وتوكّله على ربه: «وَهَذَا الدَّلِيلُ بِعَيْنِهِ قَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ نُوحٌ عليه السلام قَبْلَهُ … وَهَكَذَا قَالَ الْخَلِيلُ عليه السلام»، يعني إبراهيم في محاجّته قومه.
في قصته ما تقدَّمَ في قصةِ نوحٍ من الفوائدِ المشتركةِ بينَ الرسلِ: الدعوة إلى التوحيد الخالص، والصبر، والنصح بلا أجر.
أنَّ اللهَ بحكمتهِ يقصُّ علينا نبأَ الأممِ المجاورينَ لنا في جزيرةِ العربِ وما حولَها، فيُؤخذُ من هذا: أنَّ تذكيرَ الناسِ بما هوَ أقربُ إلى عقولِهم، وأنسبُ لأحوالِهم، وأدخلُ في مداركِهم، وأنفعُ لهم من غيرهِ؛ أولى من التذكيراتِ بطرقٍ أخرى وإنْ كانتْ حقًّا.
أنَّ المذكِّرَ والمعلِّمَ إذا اجتهدَ في إيصالِ العلمِ والخيرِ إلى الناسِ بالوسائلِ التي يفهمونَها، ولا ينفرونَ منها، نفَعَ وانتفعَ.
أنَّ اتخاذَ المبانِي الفخمةِ للفخرِ والخيلاءِ والزينةِ، وقهرِ العبادِ بالجبروتِ؛ من الأمورِ المذمومةِ الموروثةِ عن الأممِ الطاغيةِ؛ أما ما يُتخذ مساكنَ للحاجة، أو حصونًا تُحفظ بها البلاد، فمباح أو داخل في الجهاد.
أنَّ العقولَ والأذهانَ والذكاءَ، وما يتبعُ ذلكَ من القوةِ الماديةِ وإن عظمَتْ؛ لا تنفعُ صاحبَها إلا إذا قارنَها الإيمانُ باللهِ ورسلهِ، وأما الجاحدُ لآياتِ اللهِ فإنهُ وإنْ استُدرِجَ في الحياةِ وأُمهلَ فإن عاقبتَهُ وخيمةٌ.
أنَّ نفسَ الدِّينِ الذي جاءت به الرسل أكبرُ دليلٍ على أنهُ من عندِ اللهِ؛ لإحكامهِ، وصدقِ أخبارهِ، وأمرهِ بكلِّ خيرٍ، ونهيهِ عن كلِّ شرٍّ.
المصادر
المصادر
قصص الأنبياء من البداية والنهاية، لابن كثير — ت عبد الواحد (الشاملة ٩٣٢)
تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، لعبد الرحمن السعدي — ت المزيد (الشاملة ١٤٦١)
صحيح البخاري — ط السلطانية (الشاملة ١٦٨١)
صحيح مسلم — ت محمد فؤاد عبد الباقي (الشاملة ١٧٢٧)
نص القرآن الكريم بالرسم العثماني من مشروع تنزيل، كما هو دون تغيير: tanzil.net