نوح عليه السلام أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض لما انتشر الشرك، فدعا قومه إلى التوحيد ألف سنة إلا خمسين عامًا، ليلًا ونهارًا سرًا وجهارًا، فلم يؤمن معه إلا قليل. فأمره الله أن يصنع الفلك، فلما جاء أمر الله وفار التنور حمل فيها من كل زوجين اثنين ومن آمن معه، وأغرق الله المكذبين ومنهم ابنه. وهو أحد أولي العزم من الرسل، ونجى الله به من آمن، وجعل ذريته هم الباقين.
المصدر: البداية والنهاية، ابن كثير، ج ١، ص ٢٣٧
نسبه وزمانه وقومه
نوح عليه السلام من ذرية آدم عليه السلام، بُعث بعد أن مضت على الناس قرون وهم على التوحيد. قال السعدي: «مكَثَ البشرُ بعدَ آدمَ قرونًا طويلةً وهم أمةٌ واحدةٌ على الهدَى، ثم اختلفُوا وأدخلَتْ عليهم الشياطينُ الشرورَ المتنوعةَ بطرقٍ كثيرةٍ».
كان بين آدمَ ونوحٍ عشرةُ قرونٍ، وبين نوحٍ وإبراهيم عشرةُ قرونٍ
وكان أول ما دخل به الشرك على قوم نوح الغلوُّ في الصالحين وتصويرُهم، كما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير سورة نوح:
قال السعدي: «فكان قومُ نوحٍ قدْ ماتَ منهم أناسٌ صالحونَ؛ فحزِنوا عليهم، فجاءَهم الشيطانُ فأمرَهم أنْ يصوِّروا تماثيلَهم؛ ليتسلَّوا بها وليتذكَّروا بها أحوالَهم، فكان هذا مبتدأَ الشرِّ. فلما هلكَ الذينَ صوَّرُوهم لهذا المعنى جاءَ مَنْ بعدَهم وقدْ اضمحلَّ العلمُ، فقالَ لهم الشيطانُ: إنَّ هؤلاءِ … قدْ كان أولُوكم يدعونَهم ويستشفعونَ بهم، وبهم يُسقَونَ الغيثَ وتَزولُ الأمراضُ، فلم يزَلْ بهم حتى انهمكُوا في عبادتِهم على رغمِ نصحِ الناصحينَ».
قال السعدي: «ثم بعثَ اللهُ فيهم نوحًا ﷺ يعرفونَهُ ويعرفونَ صدقَهُ وأمانتَهُ وكمالَ أخلاقهِ»، فدعاهم إلى عبادة الله وحده، ورغّبهم في خير الدنيا والآخرة.
قال ابن كثير: «تعجبوا أَن يكون بشرا رَسُولا، وتنقصوا من اتَّبَعَهُ وَرَأَوْهُمْ أَرَاذِلَهُمْ». ثم قال في وصفهم أتباعه بأنهم آمنوا من غير رويّة: «وَهَذَا الذى رموهم بِهِ هُوَ عَيْنُ مَا يُمْدَحُونَ بِسَبَبِهِ رضي الله عنهم: فَإِنَّ الْحَقَّ الظَّاهِرَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى رَوِيَّةٍ وَلَا فِكْرٍ وَلَا نَظَرٍ، بَلْ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَالِانْقِيَادُ لَهُ مَتَى ظَهَرَ».
وقال في جواب نوح لهم: «وَهَذَا تَلَطُّفٌ فِي الْخِطَابِ مَعَهُمْ: وَتَرَفُّقٌ بِهِمْ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الْحَقِّ». وقال في طلبهم طرد المؤمنين: «كَأَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُبْعِدَ هَؤُلَاءِ عَنْهُ، وَوَعَدُوهُ أَنْ يَجْتَمِعُوا بِهِ إِذَا هُوَ فَعَلَ ذَلِك، فَأبى عَلَيْهِم ذَلِك».
وقال في قوله إنه لا يدّعي خزائن الله ولا علم الغيب ولا أنه ملك: «بَلْ أَنَا عَبْدٌ رَسُولٌ، لَا أَعْلَمُ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مَا أَعْلَمَنِي بِهِ، وَلَا أَقْدِرُ إِلَّا عَلَى مَا أَقْدَرَنِي عَلَيْهِ، وَلَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ».
وقال السعدي: «وطلبوا منهُ أنْ يطردَ مَنْ كان معهُ من المؤمنينَ؛ استكبارًا منهم، واستنكافًا على الحقِّ وعلى الخلقِ، فبيَّنَ لهم أنهُ ليسَ بهِ ضلالٌ، وإنما بهِ تزولُ الضلالةُ عن الخلقِ، وأنهُ رسولٌ أمينٌ، على بينةٍ من ربهِ وبراهينَ واضحةٍ، وأنَّ المؤمنينَ لا يحلُّ طردُهم، بلْ حقُّهم الإكرامُ والاحترامُ، وأنهُ لا يدَّعي لهم طورًا يزاحمُ فيه الربَّ».
وقال ابن كثير فيما يُروى من مقدار عمره: «وَفِي هَذَا الْقَوْلِ نَظَرٌ. ثُمَّ إِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَلَالَةِ الْقُرْآنِ فَهُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ. فَإِنَّ الْقُرْآنَ يَقْتَضِي أَنَّ نُوحًا مَكَثَ فِي قَوْمِهِ بَعْدَ الْبِعْثَةِ وَقَبْلَ الطُّوفَانِ … ثُمَّ اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ؟».
دعاؤه على قومه وصنع السفينة
قال السعدي: «فلم يزَلْ يدعُوهم ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا، فلم يزِدْهم دعاؤهُ إلا فرارًا ونفورًا وإعراضًا، وتواصيًا منهم على الإقامةِ على ما هم عليهِ من عبادةِ غيرِ اللهِ والتمسكِ بها … فلما رأى أنَّ التذكيرَ لا ينفعُ فيهم بوجهٍ من الوجوهِ، وأنهُ كلَّما جاءَ قرنٌ كان أخبثَ مما قبلَهُ» دعا ربه عليهم.
قال السعدي: «فأجابَ اللهُ دعوتَهُ، وأمرَهُ أنْ يصنعَ الفلكَ برعايةٍ منهُ، وحسنِ نظرٍ، وتعليمٍ من اللهِ لهُ هذهِ الصنعةَ التي امتنَّ اللهُ بها على العبادِ، وصارَ نوحٌ لهُ الفضلُ والابتداءُ بهذهِ الصناعةِ التي حصلَ بها من المنافعِ الدينيةِ والدنيويةِ في جميعِ الأوقاتِ ما لا يعدُّ ولا يُحصَى. وأخبرَهُ اللهُ بتحتمِ إغراقِهم، وألَّا يُخاطِبَ ربَّهُ فيهم؛ فإنهم ظالمونَ».
وقال ابن كثير في حكمة نهيه عن مراجعة ربه فيهم: «وَقدم الله تَعَالَى إِلَيْهِ أَنه إِذا جَاءَ أمره، وَحل بهم بَأْسَهُ … أَنه لَا يعاوده فيهم وَلَا يُرَاجِعهُ؛ فَإِنَّهُ لَعَلَّه قد تُدْرِكهُ رقة على قومه عِنْد مُعَاينَة الْعَذَاب النَّازِل بهم، فَإِنَّهُ لَيْسَ الْخَبَر كالمعاينة».
قال السعدي: «وفي تلكَ الحالِ المزعجةِ، رأى نوحٌ ابنَهُ الكافرَ الذي كان على دينِ قومهِ، وقدْ اعتزلَ أباهُ حتى في هذهِ الحالِ، فرآهُ مثلَ سائرِ قومهِ قدْ فرَّ هاربًا من المياهِ الجارفةِ، فناداهُ نوحٌ مترقِّقًا … فتمادى بهِ الغرورُ في تلكَ الحالِ التي تنقشعُ فيها الغياهبُ إلا عن القلوبِ المحجوبةِ … لم يخطِرْ ببالِهم أنَّ المياهَ سترتفعُ فوقَ رؤوسِ الجبالِ … فلا يعصمُ جبلٌ ولا حصنٌ ولا غيرُ ذلكَ … ورحمتُهُ في تلكَ الحالِ متعينةٌ في ركوبِ السفينةِ معَ نوحٍ».
وقال ابن كثير في ابنه: «فَخَالف أَبَاهُ فِي دينه ومذهبه، فَهَلَك مَعَ من هلك. هَذَا وَقد نجا مَعَ أَبِيه الأجانب فِي النّسَب، لما كَانُوا موافقين فِي الدّين والمذهب».
قال ابن كثير: «لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَلَمْ يبْق بهَا أحد مِمَّن عبد غير الله عز وجل، أَمر الله الأرض أَن تبتلع مَاءَهَا، وَأَمَرَ السَّمَاءَ أَنْ تُقْلِعَ أَيْ تُمْسِكُ عَنِ الْمَطَرِ».
قال السعدي: «وحزِنَ نوحٌ على ابنهِ؛ فقالَ مناديًا ربَّهُ مترققًا متضرِّعًا»، فأجابه ربه بأن ابنه ليس من أهله الموعودين بالنجاة؛ لأن الله استثنى من أهله مَن قضى عليه بالهلاك. ثم قال: «وهذا عتابٌ منهُ لنوحٍ وتعليمٌ لهُ وموعظةٌ عن مثلِ هذا الدعاءِ، الذي إنما حملَهُ عليهِ الشفقةُ الأبويةُ، وإنما الواجبُ في الدعاءِ أنْ يكونَ الحاملُ لهُ العلمَ والإخلاصَ في طلبِ رضا اللهِ تعالى».
ولأهل العلم في وصفه في الآية بأنه «عملٌ غيرُ صالحٍ» قولان: فالسعدي يجعله السؤالَ نفسه، قال: «أي: هذا الدعاءُ لابنِكَ الذي على دينِ قومهِ بالنجاةِ»؛ وابن كثير يجعله الابنَ، قال: «وَكَانَ كَافِرًا عمل عملا غير صَالح، فَخَالف أَبَاهُ فِي دينه ومذهبه».
إن نبي الله نوحا ﷺ لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاص عليك الوصية: آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين، آمرك بـ (لا إله إلا الله)، فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله … وسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق. وأنهاك عن الشرك والكبر …
قال ابن كثير في وصف الله له بأنه كان عبدًا شكورًا: «قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَلِبَاسِهِ وَشَأْنِهِ كُلِّهِ … وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّكُورَ هُوَ الَّذِي يَعْمَلُ بِجَمِيعِ الطَّاعَاتِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ».
أنَّ جميعَ الرسلِ من نوحٍ إلى محمدٍ -صلى اللهُ عليهم وسلمَ- متفقونَ على الدعوةِ إلى التوحيدِ الخالصِ، والنهيِ عن الشركِ.
آداب الدعوة: فإنَّ نوحًا دعَا قومَهُ ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا، بكلِّ وقتٍ، وبكلِّ حالةٍ يَظنُّ فيها نجاحَ الدعوةِ، ورغّبهم ورهّبهم، وصبَرَ على هذا صبرًا عظيمًا كغيرهِ من الرسلِ، وخاطبَهم بالكلامِ الرقيقِ والشفقةِ.
أنَّ الحقَّ يُعرَفُ أنهُ حقٌّ بنفسهِ، لا بمَن تَبِعَهُ، وأنَّ احتقار أتباع الرسل صدرَ عن كِبْرٍ وتيهٍ، والكبرُ أكبرُ مانعٍ للعبدِ من معرفةِ الحقِّ ومن اتباعهِ.
أنَّ من فضائلِ الأنبياءِ وأدلةِ رسالتِهم إخلاصَهم التامَّ للهِ تعالى، فلا يسألون الناس على دعوتهم أجرًا، ومن أجلِّ الفضائلِ لأتباعِ الرسلِ أنْ يكونوا مقتدينَ بالرسلِ في هذهِ الفضيلةِ.
أنَّ القدحَ في نياتِ المؤمنينَ، والتألِّي على اللهِ أنهُ لا يؤتِيهم من فضلهِ، من مواريثِ أعداءِ الرسلِ.
أنهُ ينبغِي الاستعانةُ باللهِ، وأنْ يُذكرَ اسمُهُ عندَ الركوبِ والنزولِ، وفي جميعِ التقلباتِ والحركاتِ، وحمدُ اللهِ والإكثارُ من ذكرهِ عندَ النعمِ، لاسيما النجاة من الكرباتِ، والدعاءُ بالبركةِ في نزولِ المنازلِ.
أنَّ تقوى اللهِ والقيامَ بواجباتِ الإيمانِ من جملةِ الأسبابِ التي تُنالُ بها الدنيا، وكثرةُ الأولادِ والرزقِ، وقوةُ الأبدانِ، وهيَ السببُ الوحيدُ في نيلِ خيرِ الآخرةِ، والسلامةِ من عقابِها.
أنَّ النجاةَ من العقوباتِ العامةِ الدنيويةِ هيَ للمؤمنينَ، وهم الرسلُ وأتباعُهم.
أنَّ الواجبَ في الدعاءِ أنْ يكونَ الحاملُ لهُ العلمَ والإخلاصَ في طلبِ رضا اللهِ تعالى.
المصادر
المصادر
قصص الأنبياء من البداية والنهاية، لابن كثير — ت عبد الواحد (الشاملة ٩٣٢)
تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، لعبد الرحمن السعدي — ت المزيد (الشاملة ١٤٦١)
صحيح البخاري — ط السلطانية (الشاملة ١٦٨١)
صحيح مسلم — ت عبد الباقي (الشاملة ١٧٢٧)
سلسلة الأحاديث الصحيحة، لمحمد ناصر الدين الألباني (الشاملة ٩٤٤٢)
نص القرآن الكريم بالرسم العثماني من مشروع تنزيل، كما هو دون تغيير: tanzil.net