إدريس عليه السلام

وصف بالصدق والصبر

إدريس عليه السلام من أوائل الأنبياء بعد آدم، أثنى الله عليه بقوله: (واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقًا نبيًا · ورفعناه مكانًا عليًا). يذكر أنه أول من خط بالقلم، ودعا قومه إلى عبادة الله وحده والصبر على أمره. جمع الله له بين النبوة والعلم ورفعة المكانة، وضربه القرآن مثلًا للصدق والصبر.

المصدر: البداية والنهاية، ابن كثير، ج ١، ص ٢٣٤

نسبه وزمانه وقومه

إدريس عليه السلام نبيٌّ كريم ذكره الله في كتابه في موضعين، قال ابن كثير: «فَإِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَوَصَفَهُ بِالنُّبُوَّةِ وَالصِّدِّيقِيَّةِ».

واختلف أهل العلم في زمانه: فذكر ابن كثير أنه «خَنُوخ»، وأنه «فِي عَمُودِ نَسَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ النَّسَبِ»، فيكون قبل نوح عليه السلام. وحكى ابن كثير أيضًا أن بعضهم جعله في زمان بني إسرائيل، وأن البخاري قال: «وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ إِلْيَاسَ هُوَ إِدْرِيسُ».

والذي رجّحه الشيخ ابن عثيمين أنه بعد نوح؛ إذ سئل عن أول الرسل فقال: «أول الرسل عليهم الصلاة والسلام، نوح عليه الصلاة والسلام، وآخرهم محمد ﷺ، وأما قبل نوح فلم يبعث رسول، وبهذا نعلم خطأ المؤرخين الذين قالوا: إن إدريس عليه الصلاة والسلام كان قبل نوح»، واستدل بحديث الشفاعة الصحيح أن الناس يقولون لنوح: «أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض». وقال في تفسير سورة ص: «فإدريس فيما يظهر -والعلم عند الله- من أنبياء بني إسرائيل».

ونقل الشيخ عبد الله بن مانع الروقي فيما قيّده عن شيخه ابن باز من تعليقاته على صحيح البخاري، عند قول البخاري في إدريس: «وهو جد أبي نوح، ويقال جد نوح»، أن الشيخ قال: «كون إدريس جد نوح محل نظر، ما بين نوح وآدم فترة طويلة فلعل إدريس من ذريته».

ولم يذكر القرآن ولا السنة الصحيحة اسم قومه ولا تفاصيل دعوته، فيُقتصر في خبره على ما ثبت: ثناء الله عليه، ورفعه مكانًا عليًّا، ولقاء النبي ﷺ به ليلة المعراج.

صديقًا نبيًا

وصفه الله تعالى بأنه كان صدّيقًا نبيًّا، قال السعدي: «جمع الله له بين الصديقية، الجامعة للتصديق التام، والعلم الكامل، واليقين الثابت، والعمل الصالح، وبين اصطفائه لوحيه، واختياره لرسالته».

رفعه مكانًا عليًا

وأخبر الله أنه رفعه مكانًا عليًّا، قال السعدي: «أي: رفع الله ذكره في العالمين، ومنزلته بين المقربين، فكان عالي الذكر، عالي المنزلة».

وقال ابن كثير: «وقد تقدم في الصحيح أن رسول الله ﷺ مرّ به في ليلة الإسراء وهو في السماء الرابعة». وذكر أقوالًا أخرى في موضع رفعه، ثم قال: «وَالْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ أَصَحُّ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ».

وأما ما يُروى في صفة رفعه وقبض روحه في السماء، فقد قال فيه ابن كثير: «هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة».

من الصابرين الصالحين

وذكره الله مع إسماعيل وذي الكفل، ووصفهم بالصبر والصلاح، قال السعدي: «والصبر: هو حبس النفس ومنعها، مما تميل بطبعها إليه، وهذا يشمل أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على طاعة الله والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة، فلا يستحق العبد اسم الصبر التام، حتى يوفي هذه الثلاثة حقها. فهؤلاء الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، قد وصفهم الله بالصبر، فدل أنهم وفوها حقها، وقاموا بها كما ينبغي، ووصفهم أيضا بالصلاح، وهو يشمل صلاح القلب، بمعرفة الله ومحبته، والإنابة إليه كل وقت، وصلاح اللسان، بأن يكون رطبا من ذكر الله، وصلاح الجوارح، باشتغالها بطاعة الله وكفها عن المعاصي».

آيات من قصته

وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا 56

وَرَفَعْنَـٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا 57

سورة مريم

وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ 85

وَأَدْخَلْنَـٰهُمْ فِى رَحْمَتِنَآ ۖ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ 86

سورة الأنبياء

من السنة

قال النبي ﷺ في حديث المعراج: «… فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: جِبْرِيلُ قِيلَ: مَنْ مَعَكَ، قِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قِيلَ: نَعَمْ قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِدْرِيسَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَرْحَبًا مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ …»

رواه البخاري (٣٢٠٧) من حديث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما · الحكم: صحيح

«… ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ. فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ. فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ …»

رواه مسلم (١٦٢) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه · الحكم: صحيح

منزلته وفضله

ومن فضائله أن الله جمع له بين النبوة والصدّيقية، ورفعه مكانًا عليًّا، وجعله من الصابرين الصالحين، ولقيه النبي ﷺ في السماء الرابعة فرحّب به ودعا له بخير. وقال السعدي في إدريس وإسماعيل وذي الكفل: «فبصبرهم وصلاحهم، أدخلهم الله برحمته، وجعلهم مع إخوانهم من المرسلين، وأثابهم الثواب العاجل والآجل، ولو لم يكن من ثوابهم، إلا أن الله تعالى نوه بذكرهم في العالمين … لكفى بذلك شرفا وفضلا».

دروس وعبر

  • الصدّيقية مرتبة عالية تجمع التصديق التام والعلم الكامل واليقين الثابت والعمل الصالح، وقد جمعها الله لإدريس مع النبوة.
  • أن الله يرفع ذكر أوليائه في العالمين ومنزلتهم بين المقربين.
  • الصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقداره المؤلمة، ولا يستحق العبد اسم الصبر التام حتى يوفيها حقها.
  • الصلاح يشمل صلاح القلب بمعرفة الله ومحبته والإنابة إليه، وصلاح اللسان بذكر الله، وصلاح الجوارح بطاعته وكفها عن المعاصي.
  • بالصبر والصلاح ينال العبد رحمة الله، ويُلحق بالصالحين، ويُثاب الثواب العاجل والآجل.

المصادر

المصادر

  • تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لعبد الرحمن السعدي (الشاملة ٤٢)
  • تفسير القرآن العظيم، لابن كثير — ط ابن الجوزي (الشاملة ١٥٠٣)
  • قصص الأنبياء من البداية والنهاية، لابن كثير — ت عبد الواحد (الشاملة ٩٣٢)
  • مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن صالح العثيمين (الشاملة ١٢٢٩٣)
  • تفسير العثيمين: سورة ص (الشاملة ١٥١١٥٩)
  • الحلل الإبريزية من التعليقات البازية على صحيح البخاري، تقييد عبد الله بن مانع الروقي (الشاملة ٢٠٨٧٢)
  • صحيح البخاري — ط السلطانية (الشاملة ١٦٨١)
  • صحيح مسلم — ت محمد فؤاد عبد الباقي (الشاملة ١٧٢٧)

نص القرآن الكريم بالرسم العثماني من مشروع تنزيل، كما هو دون تغيير: tanzil.net